الصفحة 136 من 156

ومن بدائع نظم القرآن الكريم ظاهرة التكرار الذي يجعله البلاغيون من أقسام الإطناب. الذي هو محاسن الفصاحة خلافا ًلبعض من غلط وله فوائد كثيرة، منها التقرير فقد قيل: (( الكلام إذا تكرر تقرر ) )وقد نبه الله تعالى على السبب الذي لأجله كرر القصص، والإنذار في القرآن، إذ يقول تبارك اسمه: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) } وفي معرض سياق نعم الله وتسخيرها لعباده، وتفضله بها عليهم اقرأ قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } .

(( وقف قليلا عند التعبير بكلمة (( لكم ) )لقد ذكرت مرتين )) {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} ، {وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} .

ذلك لتكون أبلغ في التذكير بنعم الله الظاهرة في خلق السماء والأرض .. وعلى هذا النسق قوله تعالى في سورة النحل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} وقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا} وقوله {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} الآيات، والكلام من حيث الصحة يستقيم أمره مع حذف المكرر من هذه الجملة: {وَجَعَلَ لَكُمْ} والاكتفاء بحرف العطف الذي يدل عليها ... ولكن بديع نظم القرآن لا يقف عند مجرد أن يكون الكلام صحيحًا من الناحية التركيبية، وإنما يترقى في الإعجاز بمراعاة هذه اللفتات التي لا يتيسر لصناع الكلام أن يوفقوا إليها بهذه الدقة البالغة [1] .

ومن فوائد التأكيد، وزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، من ذلك قوله تعالى في سورة غافر: {وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} .

فقد كرر في الآية لفظة (( النداء ) )ولفظة (( قوم ) )وفي ذلك تقرير للمعنى وتأكيد وتطرية لنشاط السامع.

ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} الآية [2] . فقد كرر لفظة (( ثم ) )ولفظ (( ربك ) )وليس في هذا التكرار ما يعيب الأسلوب، أو يخدش المعنى. بل هناك سور كرر غالب إطارها أو كله، من ذلك سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وسورة المرسلات: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ، {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) } ،

(1) انظر من بدائع النظم القرآني للدكتور السيد عبد الفتاح حجاب ص 135 مطبعة الجندي.

(2) الإتقان للسيوطي الجزء الثاني ص 66, ص 67 الطبعة الثانية 1343 هـ - المطبعة الأزهرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت