هذا ليس بكلام الله لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، أنه إغراء عليه [1] وسمع آخر يقرأ قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وختم الآية بـ: {اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فاعترض الأعرابي وقال: ما هذا بقرآن فانتبه القارئ فقرأ: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) } فقال: أما هذا فنعم، عز، فحكم، فقطع، وأخرج ابن أبي حاتم عن طريق الشعبي عن زيد بن ثابت قال: (( أملى عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ) ): {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} إلى قوله تعالى: {خَلْقًا آَخَرَ} .
{خَلْقًا آَخَرَ} قال معاذ بن جبل: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال معاذ: ضحكت يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم (( بها ختمت ) ).
فانظر إلى قوة الإحكام في صياغة الآيات، وكيف تستحوذ على العقول وتحرك المشاعر، وتشحذ الأوراق. حتى يدرك السامع بفطرته السليمة ختام الآية وأن من يخالفها في النسج و الصياغة ليس بقرآن.
ومن بديع نظم الفواصل، اختلاف الفاصلتين في موضوعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه الظاهرة وسقنا الأمثلة عليها من سورة الرعد وغيرها من السور، والذي يعنينا في هذا المقام وهو ما يأتي على العكس من ذلك. (( أي اتفاق الفاصلتين والمحدث عنه مختلف كقوله تعالى في سورة النور: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} إلى قوله سبحانه: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(58) } ثم قال: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59} فقد اتفق مبني الفاصلتين في لفظة (( حكيم ) ). من الآيتين السابقتين. [2]
ومما يستوقف الناظر في صياغة الآيتين هنا: أن جاء لفظ الآيات معرفًا في الأولى (( بأل ) )وفي الثانية بضمير الغائب من قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ} وهذا التنويع في الصياغة، ولعل مما دعا إليه قرب السياق بين الآيتين إذ لو جاءت لفظة (( الآيات ) )معرفة بأل في الآيتين لحدث ما يذهب برونق التعبير. فتعالى الله الحكيم العليم.
(1) سترك الأقران للسيوطي ص 38 نقلا من رسالة في الإعجاز للدكتور مصطفى مسلم ص 136 وما بعدها.
(2) انظر الإتقان للسيوطي الجزء الثاني ص 103 الطبعة الثانية 343 المطبعة الأزهرية بمصر.