الصفحة 134 من 156

ويستمر السياق على حرف واحد هو الألف إلى نهاية قوله تعالى: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) } .

ثم تبدأ قصة مريم وعيسى عليه السلام على نفس النسق المنتهي بفاصلة الألف فيقول: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) } إلى قوله سبحانه في شأن ابن مريم: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) } .

وفجأة يتغير مبني الفاصلة فيأتي على نظام حرف آخر هو النون كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إلى قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } وعندما نقف على نهاية كل فقرة من هذه الفقرات المشتركة في حرف الفاصلة نجد أن الفقرة وحدة مستقلة من حيث المعنى، فحرف الفاصلة قد روعي فيه المعنى والغرض.

ففي القصتين كان حرف الفاصلة الألف وقبلها ياء مشددة أو حرف آخر وعندما انتهى سرد حوادث القصة، وأريد تقرير الحكم والتعليق عليه، اختلف الحرف تبعًا لاختلاف الموضوع، لأن لهجة الحكم تقتضي أسلوبًا ذا نغم رخيم غير نغم وأسلوب الاستعراض، وتقضي إيحاء صوتيا ًقويًا رصينًا بدل الصوت الرخي المسترسل الذي تنهجه القصة.

وتنويع حرف الفاصلة ليس للاستمرار في شكل التغاير، وتنغيم الصوت وإنما هو فوق تلك السمات لخدمة المعنى وتقريره، كما وضع لنا في سياق الآيات السالفة الذكر.

وبمجرد الانتهاء من إصدار الحكم، وإلقاء ذلك القرار عاد نظام الفاصلة في هذه السورة إلى طريقته الأولى، التي هي بتاء الفاصلة على حرف الألف، لأن السياق عاد إلى قصص جديد على حد قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} إلى قوله تعالى: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) } .

وشبيه بنظام هذه الفاصلة في سورة مريم، نظام الفاصلة في سورة الرعد. فهناك حرف الألف في أواخر كثيرة من الآيات، وفجأة يتغير نظام الفاصلة فتبني على حرف الباء كما قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } .

ثم يعود السياق إلى الألف وبعدها حرف آخر وهكذا حتى نهاية السورة.

ومن عجيب نظم الفواصل (( مناسبتها لآياتها، يدرك ذلك كل من يملك أدنى ذوق باللغة، فقد روي ما يؤكد تلك الخاصية في نظم القرآن ويثبتها فإن أعرابيًا سمع قارئًا يتلو قول الله تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(209) } ولم يكن الأعرابي يقرأ القرآن، فقال: إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت