الصفحة 133 من 156

اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا.

هذه المحاورات تختلف اختلاف يدفع عنها سمة التكرار، ويتشاجع فيها المستضعفون فيلقون باللوم والمسؤولية في وجه المستكبرين فيقول جل ثناؤه في سورة الأحزاب: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) } . إنه أسلوب حواري بديع تستشف من خلاله روائع النظم المحكوم بين الألفاظ والمعاني السامية التي أراد الله فيها أن لا يذل المستضعفون، ولا يطغي ويتخير المستكبرون [1] .

وإذا أمعنت النظر في الأساليب القرآنية من حيث النظم وجدت التغاير في الألفاظ مع اتحاد المعنى. من ذلك قول الله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُول} فإن لفظة (( رسول ) )هنا بمعنى هاد مرسل من عند الله لدلالته الناس إلى ما ينفعهم في أولاهم وأخراهم، والحيلولة دون ما يضرهم مما نهى الله عنه.

ومثل تلك اللفظة تأتي مغايرة لهذه، من ذلك قوله تعالى في سورة الرعد: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } أي رسول.

وعند الكلام مثلا على شأن السماوات والأرض تقول الآيات من سورة الرعد {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} الآية، وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} الآية:

ويقول جل ثناؤه (( ق ) ): {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} إلى قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} فلمعنى متحد في الآيات جميعها، لكن الألفاظ متغايرة متنوعة، فقد جاء التعبير في سورة الرعد برفع، ومد، وفي سورة (( ق ) )بنينا - وزينا - ومددنا.

وعن شأن الجبال أتى التعبير (( بجعل (( في سورة الرعد، وبألقينا في سورة (( ق ) )وهذا ليس للتصرف في فنون القول فحسب بل تصرف في المعاني على حسب قوالب الألفاظ حتى لا تشد لفظة عن معناها، ولا ينبو معنى عن لفظه.

والتغاير في مبنى الفواصل من خواص نظم القرآن الكريم، وتأتي هذه الظاهرة تنشيطًا للسامع والقارئ، وللملائمة والاتساق، ومراعاة المعنى، فليس لمجرد الحلية اللفظية، وتتحقق تلك الظاهرة في كثير من السور.

إليك قوله تعالى في سورة مريم: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} إلى قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} .

(1) سنن الله في المجتمع من خلال القرآن لمحمد الصادق عرحون ص 46, 47 الطبعة الأولى الدار السعودية للنشر - جدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت