وسبق أن أشرنا إلى سمات الحروف في ألفاظ سورة الرعد من حيث المخارج، والأصوات، ونظير خصائص نظم هذه الحروف آيات كثيرة تتسم حروف ألفاظها بالهمس والجهر والترقيق والتفخيم، إليك قول الله تعالى في سورة (( الفجر ) ): {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) } .
تأمل ما ضمته تلك الآية من الحروف، وما تميزت به من صفات المد والتفخيم والترقيق، والغنات والحركات والسكنات فهناك من المد (( يا - ها - جعي - إلى - را - خلي - في - عبا - دي - خلي - تي - ) )ومن التفخيم تكل الحروف المشددة (( أيتها - النفس - المطمئنة - ربك - راضية مرضية - وكذلك ما ضمته من حركات الكسر مما يشكل نغما ًمديد الصوت كالكسر في العين من ارجعي واللام في ادخلي - والدال في عبادي - والتاء في جنتي ) ) [1] .
ومما نلحظه في نظم القرآن الكريم ظاهرة أسلوب الحوار، مما يساعد على نشاط السامع والقارئ ولفت نظرهما إلى ما يتلى، فمن سورة الرعد اقرأ قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} واقرأ أيضًا خاتمتها تحس بما للأسلوب الحواري من روعة في الأداء وجودة النظم، وأضيف إلى ذلك قوله تعالى منها: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا} {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ} ، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} ، {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} .
ولكن هل هذه الخصوصية لا توجد إلا في سورة الرعد؟ لا، فليس الأمر كذلك، وإنما هناك سور كثيرة نهجت هذا النهج في التعبير. إليك قوله تعالى في سورة الكهف: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) } ... {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) } ومن الأسلوب الحواري في هذه السورة قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ} .... {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا} ... {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا} ... {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) } .
ويمضي السياق في هذا الحوار الحركي المتكرر حتى قوله تعالى: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} ، {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي} ، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ} ... {قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي} ومن بين الأمثلة البديعة لهذه الخاصية، ذلك الأسلوب الحواري سورة سبأ، عن حال المستكبرين، والمستضعفين، بيانًا أن الله تعالى لم يرض في سننه لأحد من عباده بذل الاستضعاف، ومهانة الاستسلام للباطل وأهله مهما علوا واستكبروا في الأرض ... يقول تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) } ... قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ
(1) التعبير الفني في القرآن للدكتور بكري الشيخ أمين ص 181 مطبعة دار الشروق الطبعة الأولى 1393 هـ.