الصفحة 131 من 156

خصائص النظم القرآني بين سورة الرعد وغيرها من السور

لقد سبقت الإشارة في أول هذا الفصل إلى خصائص النظم في سورة الرعد، وفي هذا المبحث سنتعرض لخصائص النظم بين تلك السورة وغيرها من سور القرآن، لا على سبيل موازنة أو مفاضلة، فمثل هذا الصنيع مما لا يجدي الباحث، فالقرآن كله آية في السمو، والإبداع في النظم، وقد أشرنا إلى أقوال بعض القائلين بالتفاوت في بلاغة القرآن وفصاحته وبينا فساد ما ذهبوا إليه.

فلنبحث الآن في خصائص نظم القرآن الكريم مشيرين إلى الأوجه التي تتقارب في النظم بين سورة الرعد، وغيرها من الآيات في سور أخرى من حيث الإطار والمضمون على سبيل المثال لا الحصر.

أما موضوع سورة الرعد، والإطار الذي ينتظم هذا الموضوع فكثيرة تلك السور القرآنية التي تشبهها في ذلك. فهذه سورة فاطر مثلا عدد آياتها خمس وأربعون آية، ومن موضوعاتها إثبات عقيدة التوحيد وإقامة الأدلة على وحدانية الله سبحانه وعظيم قدرته، والعودة إلى عبادة الله، والإيمان برسالة محمد، يتضح ذلك من خلال الكثير من آياتها التي منها قول الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) } [1] * ففي الآية هنا دعوة إلى الإيمان بألوهية الله في أسمي معاني الدعوة الخالصة، ويأتي عقب هذه الآية قول الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) } [2] * تدعو الآية هنا إلى إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وتهدئة نفسه بأنه سبق في الأمم قبل أمته من كب الرسل، فلا تذهب نفسك حسرات على من كذب ولم يؤمن. ويقارب تلك الآية في الإطار والمضمون قول الله تعالى في سورة الرعد: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) } .

وقد تطول بعض السور التي تشبه سورة الرعد في الموضوع ويقصر البعض الآخر. فمما طال في السياق مثلا سورة يوسف إذ آياتها أحد عشرة آية ومائة (( 111 ) )ومما عالج موضوع العقيدة مع القصر في السياق غالب سور المفصل من ذلك (( سورة الكوثر ) (( الإخلاص ) )فمجموع آياتها أربع آيات فقط، والكوثر ثلاث، والسور التي تتراوح بين الطول والقصر كسورة الرعد كثيرة، من ذلك أيضًا سورة الكهف ومريم وإبراهيم، وغيرهن.

(1) * سورة فاطر الآية 3.

(2) * سورة فاطر الآية 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت