الصفحة 126 من 156

السماوات والأرض هو الله، ولكن نكرانه محض سفه وعناد يستلزم تقريعه بهذا الجواب المباشر، وأنه لا محل لجدال يسبق هذا الجواب.

وبعد جملة الجواب المفحم يجيء السياق بما ينكر على المشركين فعلتهم حيث يقرون في بواطنهم بألوهية الله لكنهم يشركون معه غيره. لذا جاء الإنكار {أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} ولأمر ما جاءت لفظة أولياء منكرة ففي ذلك تحقير لأولياء المشركين تجيء الجمل بعده في سرد لصفات الأولياء وأنها جمادات لا تنفع ولا تضر بل لا تنفع نفسها ولا نرد الضر كنها، نعم {لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} .

ويهيمن السياق على جمل الآية بهذه الخاتمة المهيمنة {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } .

وأما عن خاصية التلاؤم في التركيب فقد سبق أن أشرنا إليه بشيء من التفصيل، ولعل في ذكره هناك ما يغني عن تكراره.

وعن تنوع آيات السورة بين الطول والقصر، فتلك ظاهرة تتميز بها كافة سور القرآن الكريم على حسب المعنى الذي تتحدث عنه السورة وتسوقه الآية، ولعل من أقصر آيات سورة الرعد قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } وقوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} ومن طوالها قول تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ، وقوله تعالى: {أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17} إلى غير ذلك من الآيات الأخرى في السورة الكريمة اللواتي على غرار ما مر ذكره طولا وقصرًا.

ومن خلال تلك الألفاظ والتراكيب التي تحدثنا عن بعض خصائص نظمها، ومن خلال كافة ألفاظ السورة وتراكيبها، نلمح المعاني البديعة الشريفة التي ليس فيها معنى غريب، وإنما هي واضحة وضوح موضوعها الذي تهدف إليه وهو غرس عقيدة التوحيد.

وهذه المعاني جاءت متناسقة مرصوفة رصف الألفاظ والتراكيب وتجلت في أجمل معرض وأحلى بيان وشاهد ذلك قول الله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت