الصفحة 127 من 156

عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) .

المعنى في الآيات الثلاث عن مد إحاطة علم الله بما يجري في هذا الكون الفسيح ظاهرًا كان أم خفيًا، وقد جاءت معاني الآيات متناسقة يأخذ كل معنى بحجز الآخر بين الإجمال والتفصيل. نلمس ذلك من خلال قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى} )) فهنا معنى مجمل يأتي بعده معنى مفصل من خلال قول الله بعده {وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} ثم يأتي بعد ذلك معنى مجمل عن عظيم قدرة الله، وواسع علمه المحيط بكل شيء. فيقول جل ثناؤه: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) } .

ثم هذا الشيء ما كنه حقيقته، وما مدي ظهوره بين الناس؟ إنه بين خفي مستور، وظاهر مشاهد، وعلم الله محيط به في الحالين. فهو سبحانه لا غيره {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} .

ثم لما فصلت الآيات وأجملت تلك المعاني، زادت هذا الإجمال وهذا التفصيل وضوحًا فقال سبحانه: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} .

مثل تلك الآيات من القرآن كثير من ذلك قوله تعالى في سورة أخرى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} وقوله تعالى: (( {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} ) ).

وتلك آية من السورة الكريمة تتضمن معنى الوعد والوعيد على حد قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } . انظر كيف تتلاحم المعاني، وتتصل على الرغم من طول سياق الآية فبعد أن قال سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} جاء الوعيد بقوله: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} وعند ذكر الحسنة يأتي قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} . وفي معرض ذكر السيئة يأتي قوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} تقابل بديع في المبنى والمعنى.

ونظير تلك المعاني في النسج والإبداع قول الله تعالى في سورة آخر: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } وقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) } إلى غير ذلك من الآيات الأخرى في سور أخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت