ووجوب اجتنابه وأنه لا مستحق للعبادة من كل من في السماوات والأرض سوي الله وحده فإذا {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} .
ما أروعه من مشهد يقف فيه كل ما على الأرض من مخلوقات آدمية وغير آدمية من حيوان أو جماد، وكله مشهد يتجه بمن فيه إلى وجه الله وحده في استكانة وخوف وتذلل وانقياد إن طوعًا وإن كرها حتى ظلال تلك المخلوقات ساجدة لله، وقد أكد السجود والانقياد، ذلك القصر والتخصيص في قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} فقد قدم للمجار والمجرور وهما متعلقات بالفعل يسجد فأفاد تقدم ماحقه التأخير قصر السجود على الله سبحانه وتعالى.
فالتصوير في الآية تعبير ناقص بالحركة الدائبة إذ كل من في الكون يعون لله والخلق (( كلهم محكومون بإرادته خاضعون لسنته مسيرون وفق ناموسه:
المؤمن منهم يخضع طاعة وإيمانًا، وغير المؤمن ينقاد أحذًا وإرغامًا فما يملك أحدًا أن يخرج على إرادة الله، ولا أن يعيش خارج ناموسه الذي سنه للحياة.
والمشهد مشهد عبادة ودعاء، ولذا يمضي السياق متحدثًا عن الخضوع لمشيئة الله بالسجود فهو أقصى رمز العبودية، ويضم إلى شخوص من في السماوات والأرض ظلالهم كذلك: ظلالهم بالغدو في الصباح وبالآصال عند انكسار الأشعة، وامتداد الظلال يضم هذه في السجود. والخضوع. والامتثال ... )) [1] وهي في ذاتها حقيقة. فالظلال تبع للشخوص. ثم تلتقي هذه الحقيقة ظلها على المشهد فإذا هو عجيب، وإذا السجود مزدوج. شخوص وظلال. وإذا الكون كله بما فيه خاضع لله. شخوص وظلال فحري أن يستجيب الله للساجدين.
وهذه الصورة أخرى لكنها هنا في جانب المشركين، ترسم ظلالها الآية الكريمة على حد قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } . إنها صورة يزخر مشهدها بحركة حية مائلة للعباد كأنما يتملاها الحس ويدركها الشعور، وتراها العين من قرب ومن بعد. فالهيكل بارز للناظرين مبني بأمشاج من ألفاظ سهلة متقبلة فإيمان وكفر، وعمي، وبصيرة، ونور وظلمة، ومخلوقات غير قادرة على النفع والضر لأنفسها أو غيرها.
ومما يسترعي النظر ذلك التشبيه القائم على أركانه الثلاثة اتخاذ الأولياء خلقًا يزعمون لهم النفع والضر والإيجاد، وخلقًا لله اعتقد المشركون أن أوليائهم يوجدون مثله، وكاف وسط بين المشبه،
(1) انظر ظلال القرآن لسيد قطب ص 83 طبعة بيروت.