يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.
إلى قوله سبحانه: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) } ، وقوله: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) } ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) } إلى قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) } وقوله: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) } .
تلك ثلاث عشرة آية تحمل كل واحدة صورة رائعة أو أكثر من صورة فلنأخذ في التحليل تلك الصور مستوضحين أسرارها الجمالية، وإيداعها في التصوير، انظر لصورة الإنسان وكل ما على الأرض وهم ساجدون لله عن طوعا ًوإن كرهًا وتأمل قوة الإحكام في النظم والتلاحم بين أجزاء الآيات في تلك الصور، إلما أثارت الآية من قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} ... الآية )) لما أثارت تشبيهًا أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وضربت مثلا لواقع الخيبة التي يتردى فيها الذين يدعون من دونه الله أولياء، وهو مثل مصرح به إمعانًا في النكاية بالمشركين، والنعي عليهم ما هم فيه من حال، وما هم عليه من ضلال، بل (( هو مثل أوردته الآية مورد الاستثناء الذي يوهم إثبات شيء من الاستجابة ثم ينتهي بالتمثيل إلى تأكيد معنى النفي الذي سبق الاستثناء، وهذا لون بديع من التهكم [1] ) نعم لما أجملت الآية لك كله جاء بعده في السياق ما يثبت أن النافع الضار هو الله وحده فهو المستحق للعبادة لا غيره، ولا تقول الآية: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} .
وما أروعه من إحكام بين أجزاء الآيات وبين كل آية وصلتها بما قبلها وما بعدها، تأمل بديع هذا النظم، وإحكامه في التسلسل إذ لم تزل الآيات مستمرة في معانيها عن الحق ووجوب اتباعه والباطل
(1) سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 122.