ولكنه جاء على صورة الاستثناء، والغرض. التهكم بالذين يدعون من دون الله، متصورين أنهم سينتفعون من شركائهم.
وكذلك أسلوب الاختصاص والقصر في قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} وهذا الاختصاص مستفاد من ما حقه التأخير، وفي قوله: {مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } وهو من قبيل الموصوف على الصفة، أي دعاء الكافرين ليس من الصفات إلا صفة الخسران، والضياع، وعدم حصول الفائدة. بالإضافة إلى هذا الإطناب الجميل الذي ختمت به الآية، ويصح أن يستقل بنفسه، ويستخدم فيما يشبهه مت الأحوال ولذلك فهو تذييل جار مجرى المثل كما يقول البلاغيون.
حقًا إنها لصورة تعبر عن مشهد (( ناطق متحرك لاهث جاهد. فدعوة واحدة هي الحق، وهي التي يستجاب لها. إنها دعوة الله، والتوجه إليه، والاعتماد عليه، وطلب عونه ورحمته وهداه وما عداها ضائع باطل، وهذا المعنى بصورة ذلك التشبيه التمثيلي فكأنما ألفاظه وتراكيبه تنطق قائلة: ألا ترى حال الداعين لغير الله من الشركاء؟ انظر هذا واحد منهم ملهوف ظمأن يمد زراعيه، ويبسط كفيه وفمه مفتوح يلهث بالدعاء يطلب الماء ليبلغ فاه، فلا يبلغه، وما هو ببالغه، بعد الجهد واللهفة والعناء، وكذلك حال الكافرين بالله الواحد حين يدعون الشركاء من دونه [1] ) .
ولحال الموحد والمشرك والمؤمن والكافر، وتصويرهما بالأعمى والبصير، ووصف النعيم والعذاب، وتشبيه الدين والإيمان بالحبل المبرم ومحاولة الكفار نقض هذا العهد ومحاولتهم قطع ما أمر الله به أن يوصل وإفسادهم في الأرض.
لكل تلك المقاصد والأغراض صور بيانية اتسمت بأسلوب الاقتدار الذي هو التنويع في العبارة من استعارة وتشبيه إلى كناية وتعريض، وإلى حذف وتقديم وتأخير إلى إيجاز وإطناب إلى غير ذلك من أساليب البيان الرائع الذي تحار فيه كنهه العقول والأفكار ويجمع تلك الأغراض طائفة من آيات السورة الكريمة من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } وقول الله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ
(1) انظر الظلال لسيد قطب ص 81.