الصفحة 105 من 156

يفوت من درك الطلبة، وفي ذلك زجر عن الدعاء إلا لله عز وجل الذي يملك النفع والضر. ولا يضيع عنده مثقال الذر )) [1] .

وإنه تشبيه تمثيل لكون وجه الشبه فيه منتزع من متعدد، ففيه تشبيه عدم استجابة الشركاء للداعين لهم بعدم استجابة الماء الباسط كفيه إليه من بعد، فإن باسط كفيه لا يمسك ماء، ومن ثم لا يستطيع أن يبلغ به فاه فهو يحيا في آمال كذاب. ووجه الشبه عدم حصول الفائدة المرجوة في كل من صورة دعاء الشركاء، وصورة طلب الماء من بعد، مع شدة الحاجة والإلحاح، وبسط الكفين في كل من صورة المشبه، والمشبه به.

وقد أعان هذا المثل على التلاحم في جو الآية الكريمة، وما قبلها، إذ نلحظ في السياق السابق (( معترك الخوف والطمع في النفس الآدمية وهاتان الصفتان أثارهما جو البرق والرعد والسحاب الثقال والصواعق المرسلة، وتلك أحداث وظواهر طبيعية مخيفة مطمعة ولا حيلة للعباد العاجزين أن يتصرفوا فيها على ما يريدون ولا مفر لهم إلا أن يلجأوا بالدعاء إلى القوة القاهرة التي هي من صفات القوي القهار ومن خلال المشهد التصويري نرى صنفين من الأدعية تقذف بها حناجر الداعين: دعوة الحق، ودعوة الباطل.

أما دعوة الحق فصاعدة إلى الله يعلمها ويستجيب لمن دعا بها على مقتضي حكمته وأما دعوة الباطل فضائعة ضالة تمزقها الحيرة ولا تصل إلى الله لأنها ليست له ولا تجد من دون الله من يسعفها ويتلقفها لأن الذين من دونه عاجز عن جلب المنفعة ودفع المضرة فضلا أن يسعفوا غيرهم ممن يستجير بهم، فما أخيب هؤلاء الداعين وما أضل دعوتهم فمثلهم كمثل الظاميء الملتهب عطشًا يبسط كفيه إلى الماء من بعد ظنًا أن هذه الوسيلة كافية لأن يبلغ الماء فاء وليس بباله.

وكذلك دعاء الكافرين سواء أكانوا منكرين لله أو مشركين به ما هو إلا دعاء ضائع لا يحقق شيئًا مما يرجون [2] وتأمل روعة الأحكام ودقة التلاحم، بعد إثارة هذا التشبيه تأتي آية أخرى تصور حال عباد الله المؤمنين وكل من في الأرض مسبح داع مؤمن بالله يقول تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} وتلك الآية ستعرض للحديث عنها عند الكلام على الصورة البيانية في جانب حال المؤمنين وحال الكافرين مع الله.

ومما أخرج الصورة البيانية مخرج المشاهد المحسوس اشتمالها على تأكيد الكلام بما يشبه الاستدراك عليه، وذلك في قوله سبحانه: {إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} فهو مثل يتضمن تأكيد الكلام السابق

(1) انظر ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للخطابي والرماني وعبدالقاهر ص 76 تحقيق.

(2) انظر سورة الرعد لعبد الرحمن حنبكة ص 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت