الصفحة 104 من 156

كُنَّا تُرَابًا لأن مصير الناس إلى تراب من الأمور المحققة الوقوع، وقد ذكر علماء البلاغة أن (( إذا ) )تستعمل غالبًا في الأمور المحققة لا المشكوك فيها )) [1] . والموت لا شك فيه، واستحالة الأجساد إلى تراب يراه سائر الناس، فليسوا يشكون فيه، فقد كبر عليهم أن تستعيد هذه العظام والأجسام صورتها الأولى يوم البعث والنشور، ويمضي السياق مصورًا شأن هؤلاء الكفار بطلبهم تعجيل العقوبة، ورأفة الله بهم، بهدايتهم أولا إلى الحق، فإن لم يؤمنوا فإلى العذاب، يقول سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } .

والتعبير في الآية هنا يقدم مغفرة الله وعقابه، في مقابل تعجل هؤلاء الغافلين للعذاب قبل الهداية ليبدو الفارق الضخم بين الخير الذي يريده الله لهم، والشر الذي يريدونه لأنفسهم، ومن ورائه يظهر انطماس عمي البصيرة وعمي القلب، والانتكاس الذي يستحق درك النار )) [2] .

وراع ذلك التقابل العجيب بين السيئة والحسنة، والظلم والمغفرة، وما قويت به عبارات الآية الكريمة من التوكيد بأن واسمية الجملة واللازم في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) } . وتأمل دقة التصوير في قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} إن الذهن ليظل صامتًا يكتنه مصارع الغابرين التي عبرت عنه لفظة خلت والمثلات وما حل بهم من سوء ما عملوا أما قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } فيكفي في براعة التعبير اشتمال الآية على القص الإضافي في إنما أنت منذر إذ به اكتملت الصورة ببيان وظيفة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وانحصارها في التبليغ والإنذار أما مجمل القضايا التي أثارها السياق في الآيات السابقة فنتائجها راجعة إلى الله وحده وراع ذلك التهجين بذكر المشركين ووصفهم بالذين كفروا. وما له من روعة في التبكيت والنعي على هؤلاء. ثم في هذا القيد بعد ذكرهم وطلبهم المعجزة بقولهم: (من ربه) إن في ذلك لوصف لهم بالإمعان والتردي في الضلال والكفر.

وفي تصوير المشركين الذين يجأرون بالدعاء إلى من لا ينفعهم ولا يضرهم إلا بإذن الله، تعرض الآية الكريمة التالية من قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } تعرض نوعًا من التشبيه المسمي بتشبيه التمثيل. وأول ما يشتمل عليه هذا التشبيه من الحسن والروعة أنه (( تصوير أخرج مالا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه، وقد اجتمعا في الحاجة إلى نيل المنفعة والحسرة بما

(1) انظر سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 69, 78.

(2) انظر تفسير الظلال لسيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت