مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) .
وقوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } .
أربع آيات (( يعجب التعبير في الأول منهن من أمر قوم تلك الصور التي سبق عرضها في أول السورة لا توقظ قلوبهم، ولا تنبه عقولهم، ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر وقدرة الخالق، كأن عقولهم مغلولة، وكأن قلوبهم مقيدة فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات ) ) [1] .
وغيرها والذي يشد العقل والشعور، وذلك التصوير البديع الذي أثاره مصدر التعجب من أولئك الكفار وشكهم في إعادتهم خلقًا جديدًا، فمن بديع ذلك التصوير. (( التنسيق بين غل العقل وغل العنق: الأول معنوي، والثاني عبر به لاكتمال الصورة في الذهن عن جزائهم بالنار على الكيفية الرهيبة جزاء تعطيلهم مقومات التفكير والتدبر، التي بها أكرم الله بني الإنسان لكن هؤلاء الكفار يأبون هذا التكريم ويعطلونه ) ) [2] .
عناصر التصوير هنا جاءت منتزعة من الواقع القريب، فمن لا يعرف الغل (( الذي هو الحديدة أو القيد يغل به العنق ) ) [3] .
ومن منا لم ير صورة حسية لمجرم تصفد رجلاه، وتغل يده إلى عنقه؟ إن تلك الصورة لتجري في تنفي العقوبات بين الآدميين في حياتهم الدنيا، فكيف بها في عقوبة الآخرة، وكيف بصدورها ممن لا يرد بأسه عن القوم المجرمين؟.
وقد زاد هذا التصوير براعة، تشبيه عوامل الكفر بالأغلال واستعارة هذا اللفظ لها، واشتمال الآية الكريمة على الاستفهام الذي ليس على حقيقته، في قوله: {وَإِنْ تَعْجَبْ} فهو للإنكار والتعجب إذ الكفار يتعجبون من تحقيق إثبات البعث وينكرونه أاستعمال (( إن ) )في قوله (( وإن تعجب ) )مع أن في (( إن ) )أن تستعمل في الأمور المشكوك فيها كما يقول بذلك علماء البلاغة، وفي هذا إشارة إلى ندرة تعجبيه صلى الله عليه وسلم فكأن حصول التعجب عنده من الأمور المشكوك فيها إذ التعجب إنما يحصل ممن يجهل الأسباب أما من يعلمها فلا، والرسول صلى الله عليه وسلم يزود باستمرار بالمعارف الربانية عن طريق الوحي فقلما يجهل أسباب الأشياء، وكذلك استعمال (( إذا ) )في قوله تعالى: أَئِذَا
(1) تفسير ظلال القرآن لسيد قطب.
(2) المصدر السابق ص 91, 92.
(3) التعابير القرآنية والبيئة العربية في مشاهد القيامة ص 261 لابتسام مرهون الصفار الطبعة الأولى. مطبعة الآداب في النجف 1387 هـ نقلًا عن الصحاح للجوهري ولسان العرب لابن منظور.