فأي التدبير في الحقيقة وواقع الأمر؟ أتدبيرهم أم تدبير الله؟ لا شك أنه تدبير الله، لكن محاولتهم قد كانت في ابتغاء الشر، وما دبره الله قد كان في ابتغاء الخير [1] ) يقطع دابر المذنب والكافر وردع من يحوم حول حمي الضلال، وهذا وذاك كله بتدبير الله إذًا فالمكر كله له. لعلمه بكافة الأمور نافعها وضارها.
والتعبير بالمكر في جانب الله تعالى: أسلوب من المشاكلة. وهي ضرب من ضروب البلاغة التي وردت في كتاب الله تعالى.
والمشاكلة هي: التعبير عن الشيء يلفظ غيره لوقوعه في صحبه ذلك الغير، وجمال هذا التعبير أن فيه ائتلافًا بين الألفاظ كما في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} . فإن جزاء السيئة عقوبة، ولكنه تعالى عبر عن العقوبة بالسيئة لوقوعها في صحبة تلك السيئة، ومثل قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} .
وكذلك المكر هنا في جانب الله الذي من معانيه التدبير لما يبيت أولئك القوم وقد عبر القرآن الكريم عن هذا التدبير بالمكر لوقوعه في صحبة مكرهم وخير الكلام ما كان أوله يدل على آخره، وما كان بعضه أخذًا برقاب بعض.
ولنتبين بعد ذلك قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} فهو تعليل وبيان لإحاطة علم الله بدخيلة الأنفس، وما تخفي الصدور، فقد ظن أولئك الغافلون أنن أحدًا لا يعلم بما يمكرون فبين لهم الله أنه ما من شاردة أو واردة. إلا وعلمه محيط بها، وإذًا: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} .
ويمضي السياق في تصوير مدى علم الله بالغيب إذ يقول تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) } .
وقد حلفت السورة الكريمة بكثير من الصور البيانية التي تنتظم إنكار الكفار للبعث والنشور. واستعجال العذاب، وتصوير المشركين الذين يلجأون إلى من لا ينفعهم ولا يضرهم، وتمثيلهم بباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاء فلا يصل إليه.
تلك المعاني يبرزها التصوير البديع في الآيات الكريمات من السورة إذ يقول تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ
(1) انظر سورة الرعد دراسة لعبد الرحمن حنبكة ص 200, 256, 257.