والضمير في قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِهِمُ} يعود إلى المشركين، ومعلوم أن موضوع السورة يدور حول الحديث عنهم. أي فلا غرابة أن يكون منهم مكر للرسول صلى الله عليه وسلم، وبالدين جاء به، وبالمسلمين فقد سبقتهم أمم كثيرة كافرة مكرت بالرسل، وبالرسالات، وبالمؤمنين بها.
قال جل وعلا: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، وقوله عز اسمه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ، {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} ، {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} .
ولا تكاد سورة القرآن في جملتها تخلو من مثل هذه الآيات الكريمة التي تساق لتهدئة قلب الرسول الكريم وتثبيت نفسه وبيان وظيفته، وحمله على الصبر في نشر دعوته، تبليغ رسالته.
والذي يعنينا في هذا المقام هو إمعان النظر في إبداع التصوير في الآيات من سورة الرعد، فإذا تدبرنا قول الله تعالى: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} واستشعرنا روعة الأسلوب القرآني ألفينا تركيبًا لا غموض فيه إذ جملته مؤلفة من مبتدأ وخبر وحال، لكن ما المعنى المراد من كون المكر كله لله؟ إن المكر قد يكون في الخير، وقد يكون في الشر، لأن الله ليس بظلام للعبيد فأخذه الناس بظلمهم قطع لدابر الشر، ونزوات الباطل، وردع للبشر من التردي مهاوي الفساد والكفر والضلال.
وظلال التصوير القرآني يشي ببيان هذا المعنى إذ تحته ما يلي:
1 -يتصور الكافرون أنهم يدبرون خطط مكرهم في خفاء، وأن خططهم ستحقق لهم الظفر بالرسل ورسالاتهم التي من شأن تسلبهم نفوذهم وسلطانهم في قومهم.
2 -الله سبحانه مطلع عليهم لا تخفي عليه منهم، ولا من أفعالهم خافية فما بظنونه خفيًا هو معلوم لله تعالى.
3 -يترك الله الماكرين يتابعون تنفيذ خططهم في المكر، وهو مطلع عليهم وقد دبر لهم من الأمر ما ليس في حسبانهم، حتى إذا ظنوا أنهم قد قاربوا قطف ثمرة مكرهم، فوجئوا بتدبير لا علم لهم به - أفسد عليهم أمرهم ووجدوا أنفسهم قد سقطوا في شركهم الذي نصبوه دون أن يعرفوا كيف سقطوا فيه، وهنا نقول: إن المكر الذي يحاول أن يوجهه الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدين الله، إنما هو في الحقيقة مكر بالله ولما كان الله مطلعًا على ما يدبرون، لأنه يعلم ما تكسب كل نفس سقط أن يكون ما يحاولونه في حقيقة الأمر مكرًا، ولما كان الله فيما يمد لهم قد دبر لهم من حيث لا يعملون ما يفسد عليهم مكرهم وبوقعهم في جزاء عملهم، كان المكر في الحقيقة لله لأن تدبير الله تعالى مجهولة لهم، ونافذة فيهم وفي غيرهم لا محالة.