الصفحة 100 من 156

الإيهام على حد قوله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [1] حيث جاء الموصول للدلالة على تفخيم أمر المبين )) .

بل تأمل لفظة (( أم ) )في الآية الكريمة: فإن الأولى بمعنى بل ومجي الاستفهام متلوا بالنفي في قوله: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ} بديع لا تكنه بلاغته وبراعته ولو أتى الكلام على الأصل غير محلي بهذا التصرف البديع لكان على النسق التالي: وجلعوا لله شركاء وما هم دونه إلا أسماء سميتموها [2] وهذا الإيجاز بالحذف في قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا} إذ التقدير كشركائهم أو يشركون به بدليل قوله تعالى بعد ذلك: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} وراع هنا استعمال صيغة الاستفهام بمعنى الإنكار الإبطالي لا بمعنى طلب الفهم. أي ليس من هو قائم على كل نفس بما كسبت كمن ليس كذلك.

ويستطرد السياق لاستكمال الصورة في قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) } وذلك بعد نفس طويل في بعض الآيات ولم يزل المعنى مستمرا يشهد بوحدانية الله وإحاطته بعلم الغيب على نسق قوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} .

ومما يبعث على التأمل في الجانب التصويري من قوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} .

أن جاء ترتيب الأسباب ثم ترتيب النتائج، نلحظ ذلك في صدر الآية قول الحق سبحانه: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، فقد عقب السياق بذكر نتيجة مكر أولئك الكفار، وتلك النتيجة هي مر الله الذي يفلت منه أحد ثم هذا المكر من جانب الله العلي القدير ليس ظلمًا لأحد من البشر، وإنما هو مبني على علمه المحيط بما في مكنونات الضمائر والخوالج، فلو صنفت نفوس أولئك الكفرة لسلمت من مكر الله، ولكن سبق في علمه المحيط بكل شيء أن هؤلاء استحقوا عاقبة المكر بأخذهم: {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) } .

(( والمكر تدبير أمر في خفاء عمن دبر عليه لصرف عما يريد، أو لإيقاعه فيما لا يريد. وقد يكون مذمومًا إذا كان الأمر المدبر فيه مؤديًا إلى نتيجة مذمومة. وقد يكون محمودًا إذا كان الأمر المدبر فيه مؤديًا إلى نتيجة محمودة ) ).

(1) انظر تفسير أبي السعود ص 228.

(2) انظر الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال لأحمد بن محمد بن المنير السكندري ص 361. علي هامش الكشاف للزمخشري - طبعة دار الفكر بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت