والمشبه به وقيل ذلك كله جمال التعبير (( يجعل ) )التي بمعنى أعتقد (( أي اعتقدوا أن لله شركاء خلقوا كخلقه تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا [1] ) .
(( ثم لما دل النظم البديع على أن الفكرة فيما فعلوا من اتخاذ الأصنام أولياء من دون الله سبحانه في الضلال المحض، والخطأ البحث بحيث لا يختفي بطلانه على أحد، أنهم في ذلك كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء أصلا، وليس لهم في ذلك شبهة تصلح أن تكون منشأ لغلطهم وأخطائهم فضلا عن الحجة أكد ذلك فقال: (( {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} ... الآية [2] ) . واكتمال المشهد العجيب في هذه الصورة العجيبة محاط بالأسئلة المنهمكة المواجهة إلى المشركين، (( فما يجدر بالمشرك في مثل هذا الجو إلا التهكم، وما يستحق إلا السخرية والاستهزاء. نعم قل لهم يا محمد: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(16) } .
سلهم والقضية واضحة، فلا رب سوى الله، والفرق بين الحق والباطل واضح وضوح الفارق بين الأعمى والبصير، وبين الظلمات والنور. وإنما السؤال للتهكم المر اللاذع المعقب عليه بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } )) . وهنا تحاط قضية الشركاء في هذه الصورة بسجود من في السماوات والأرض، وظلال طوعًا وكرهًا كلهم في خضوع وانقياد، وفي ختام المشهد ذلك القهر الذي يخضع له كل شيء في الأرض والسماء وقد سبقته في السياق يروق ورعود. وصواعق وتسبيح وخوف وطمع .. فأي قلب يصمد لهذا الهول، إلا أن يكون أعمى مطموسًا يعيش في الظلمات حتى يأخذه الهلاك [3] ).
واستوف طريقة الأداء في تلك الصورة البيانية فستجد الألفاظ انتزعت وتخيرت من الواقع القريب وجئ بها لرسم صورة حية عن الجهل والعلم والهدي والظلال وكل لفظة في الصورة تشع بالمعنى المراد وتبث في النفوس والمشاعر ما يحرك الضمائر - ويجعلها متيقظة تتأمل شخوص تلك عن إحساس فياض وإدراك لمعنى الجهل والعلم والهدي والظلال والكفر والإيمان.
(( وتدرك الفرق بين الحق والباطل إدراك الفرق بين الأعمى والبصير وفي ذكر الأعمى إشارة إلى الكفر وأهله، وفي ذكر البصير إشارة إلى العلم والإيمان وأهله فالعمى وحده هو الذي يحجب الرؤية كما
(1) انظر البرهان للزركشي الجزء 4 ص 113 تحقيق أبي الفضل إبراهيم الطبعة الثانية مطبعة الحلبي.
(2) تفسير أبي السعود ص 211, 212 تحقيق عبد القادر أحمد عطا.
(3) انظر الظلال لسيد قطب ص 82, 83.