فالله -تعالى- أمَرَنا باتِّباع الكتاب والسنة ... أمرنا باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا شك أن الاتباع هنا الاتباع بالأعمال الصالحة، بمعنى: السير على نهجه وتطبيق سُنَّته، والعمل بما أمر به. يسمي هذا اتباع، فهوَ معنى قوله:"إذا كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة".
وقد وردت الأدلة في الأمر باتباع الكتاب والسنة في آيات كثيرة مثل قول الله -تعالى-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} "اتبعوني"يعني: أطيعوني، الاتباع بمعنى الاقتداء به وهو -أيضا- التأسي: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} كذلك قال -تعالى-: {فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) } .
رتّب الاهتداء على اتباعه وهو يُفهم منه أنّ ترْك الاتباع له ضلال، فالاهتداء ضده الضلال، فمن اتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - اهتدى، ومن ترك اتباعه واتبع هواه ضل.
كثيرا ما يذكر الله -تعالى- ضلال من اتبع هواه يذكر ذلك في قوله -تعالى-: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) } يعني: اتبعوا ما تهواه أنفسهم {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} يعني: كلما يهوى شيئا إلا ركبه.
فالذين يتبعون أهواءهم هم الضالون، والذين يتبعون السنة والكتاب هم المهتدون، هذا معنى قوله:"مضمونا لهم الهدى فيهما"يعني: ضمن الله -تعالى- الهدى لمن اتبع كتابه وسنة نبيه {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) } {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} والأدلة كثيرة في ذلك.
"مشهودًا لهم بأنَّ نبيهم - صلى الله عليه وسلم - يهدي إلى صراط مستقيم"يعني: يدل على الصراط ويحث على سلوكه، قال الله -تعالى-: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} صراط الله الذي أمر بسلوكه هو الذي بيَّنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فصراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض هو الذي بينه نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهدى إليه، فمن سار عليه فإنه من المهتدين، ومَن أخطأه فإنه من الضالين.
فالأصل أن الصراط هوَ الطَّريق الواسع الذي يصفه النَّاس ولا يضيق بهم، ومنه سُمِّيت السُّبل طُرُقا وسبلا يعني: يُسار عليها، فسبيل الله -تعالى- واحد وهو الذي بينته الرُّسل، وهو الذي بلَّغه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .
في الحديث الصحيح: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطَّ خطًّا مستقيما ثم خطوطًا عن يمين ذلك الخط منحرفة يمينًا ويسارًا، فأشار إلى الخط المستقيم وقال: هذا صراط الله -يعني: الصراط المستقيم- وهذه سبلٌ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ هذه الآية من سورة"الأنعام": {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} ".
الصراط الذي يهدي إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو دين الله الذي جاء به وبلَّغه، فمَن سار عليه فإنه على الهدى المستقيم، ومن ركب بنيات الطريق هلك وضل.
يقول:"السبل على كل سبيل منها شيطان": هذه السبل هي البِدَع والمحدثات التي أُحدثت بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن الذين يدعون إليها شياطين: إما شياطين الجن وإما شياطين الإنس يعني: هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الروافض، هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق المعطِّلة، هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الجبرية، هؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الخوارج، وهؤلاء يدعون إلى طريق المرجِئَة ... وهكذا.
وكذلك -أيضا- الطرق والمناهج المحدثة يعني: هؤلاء يدعون إلى الكفر، وهؤلاء يدعون إلى النفاق، وهؤلاء يدعون إلى الشيوعية، وهؤلاء يدعون إلى البعثية، وهؤلاء يدعون إلى العلمانية، ... وهكذا محذَّرين في مخالفته الفتنةَ والعذابَ الأليم أخذ هذا من الآية التي في آخِرِ سورةِ"النور"وهي قول الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) } .
بعدما أمَر الله -تعالى- بطاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وبعدم الخروج إلى شيء إلا بإذنه، قال الله تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَاذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَاذَنُوكَ} .