فهؤلاء الطبائعيون لا يؤمنون بوجود الله -تعالى- والمسلم الذي يعتقد وجود الله -تعالى- يعترف بوجوده في ثلاثة أصول.
قال الشيخ -رحمه الله-:"إذا قيل لك: بمَ عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته"يعني: عرفته بآياته التي منها: الليل والنهار والشمس والقمر، وبمخلوقاته التي منها السماوات والأرض وسائر المخلوقات.
إن هذه دالَّة على أنَّ لها خالِق، ولما تكلم ابن كثير -رحمه الله- على أول آية فيها أمر من تفسيره وهي قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} .
فقال: هذه ست دلالات نصبها الرب -تعالى- ليُعرف بها، ليعرفه العباد، ويعترفوا بأنه ربهم، أنه الذي خلقهم، أي: أوجدهم من العدم وقد كانوا معدومين {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الآباء والأجداد والأسلاف.
فإن النعمة على الوالدين نعمة على الأولاد. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} يعني: وطاءً وبِسَاطا ليِّنا تجلسون عليه، وتتقلبون عليه كما تشاءون، وفيها آيات عظيمة، {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} ورفع هذه السماء وجعلها سقفا محفوظًا وبناءً فوقكم، {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} لا يقدر الخَلْق على أن ينزلوه، {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} جعل هذه الأرض لينة تَقْبَل أن تنبت النبات الذي يكون فيه غذاؤكم وبهِ تتم حياتكم آيات بينات.
ثم إنه -رَحِمَه الله- ذَكَر أقوالا ونقولا عن السلف -رحمهم الله- يستدلون بها على وجود الخالق:
فذكر أن أبا حنيفة جاءه قوم من الدهريين وسألوه عن وجود الله، يريدون أن يشككوه في وجود الرب -تعالى- فقال لهم: إني منشغل بأمر غريب، قالوا: وما هو؟ قال: ذُكِر لي أن ها هنا سفينة ليس فيها أحد، وأنها تسير وحدها في البحر، وترسي على الساحل، وتُحمِّل نفسها أمتعةً حتى تمتلئ ثم تسير سيرا مستقيمًا حتى تصل إلى بلاد أخرى، ثم تنزِّل ما فيها من الأمتعة مع اختلافها، وتعزل التمر عن غيره، وتعزل البر عن غيره، وتعزل الأكسية عن غيرها، ولا يختلط هذا بهذا، ومع ذلك ليس فيها أحد وليس فيها مَن يسيِّرها ولا مَن يرسلها.
فقالوا: وهل تصدق بهذا؟ لا يصدق بهذا إلا مجنون! هذا لا يمكن أن يصدَّق به. السفينة خشبة، كيف الخشبة تحرك نفسها؟! وكيف تسير بنفسها؟! وكيف تحمل نفسها وهي خشبة؟!.
فعند ذلك قال لهم: خُصِمتم! فأنتم تشاهدون هذا الكون فهذه النجوم التي تسير من الذي خلقها وأوجدها؟! وهذه النيران: الشمس والقمر من الذي سيّرهم هذا السير المحكم؟! وهؤلاء الخلق الذين بثهم في هذه الأرض، وهذه الأفلاك التي تسير في هذا الكون مثلا هذه الرياح التي يصرفها الله -تعالى- كما يشاء، وهذه السحب التي ينشئها فعند ذلك انقطعوا وتابوا على يديه فهذه حجة قوية.
وسئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن هذا السؤال، فقال: ها هنا قصر مشيد محكم، ليس له منفذ ليس فيه أدنى منفذ تدخل منه رأس الإبرة، ظاهره فضة بيضاء، وباطنه ذهب أصفر، محكم البناء لا يصل إليه تصرُّف، ولا يصل إليه أدنى تدبير، بقي هذا القصر على ما هو عليه وبينما هو كذلك إذ انْكَسر جدارُه فخرج من وسطه حيوان حي سميع بصير يأكل ويشرب ويتقلب ويتصرف لنفسه، فيه جميع الحركات، كيف تولد في وسط هذا القصر؟!.