س: فهذا سائل يقول: هل الخوارج كفار؟ وكيف يوجه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية "؟ وحديث: " لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد "؟
ج: قد وردت هذه الأحاديث في الصحيح صحيح مسلم، وفي البخاري بعضها، فمن العلماء من طبقها عليهم، وقال: إنهم المرادون بهذه الأحاديث، ومنهم من قال: إنها صفات لآخرين لم يخرجوا بعد أو يخرجون في آخر الزمان، أو ليسوا هم الذين خرجوا في عهد الصحابة.
ولا شك أن كثيرا من الصفات تنطبق عليهم، مثل الحديث الذي فيه: " أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس يقتلهم أولى الطائفتين بالحق "
وإن كان هذا قد ضعفه بعضهم، وعلى هذا، الصحيح أن أولئك الذين قاتلهم علي لا يحكم بكفرهم، ولو كانوا يكفروننا، فإننا لا نكفرهم؛ ولذلك سئل علي - رضي الله عنه - قيل: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، فقيل: أمنافقون؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرا، قيل: ماذا نقول فيهم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا.
فأطلق عليهم اسم البغاة، هذا هو القول الصحيح أنهم بغاة، وأنهم يقاتلون لكف شرهم، فإن البغاة هم الذين ينقمون على إمام المسلمين، وينكرون عليه، ويخرجون، ولهم قوة، ولهم شوكة، ولهم شبهة يتشبثون بها فتزال شبهتهم، كما بعث إليهم ابن عباس وناقشهم، حتى رجع منهم نحو الثلث، فإذا بقوا، فإنهم يقاتلون إلى أن يرجعوا، أو يكف شرهم هذا في الخوارج.
والآثار التي وردت فيهم إن كانت فيهم، فهي من باب نصوص الوعيد، وإن كانت في غيرهم، فينطبق عليهم بعضها لا جميعها.
س: وهذا يقول: ماذا يترتب على قولهم: إن القرآن مخلوق؟
ج: يترتب عليه إنكار أن الله - تعالى- متكلم، وهو إنكار صفة كمال، ثم أيضا يترتب عليه إنكار الأدلة التي دلت على ذلك، فالله -تعالى- أضافه إلى نفسه بقوله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} فالذين يقولون: إنه مخلوق، ينكرون دلالة هذه الآيات، ثم نقول ما الذي حملهم؟ حملتهم عقيدتهم اعتقدوا أن الله لا يتكلم، وذلك أنه خيل إليهم أن الكلام، إنما يصدر من متكلم، إنما يصدر -مثلا- من المتكلم الذي له لسان وشفتان، ونحو ذلك، فقالوا: لو أثبتنا الكلام لله لأثبتنا هذه الصفات، وإذا أثبتناها أثبتنا تجسيما، وأثبتنا تشبيها ونحو ذلك، فهكذا اعتقدوا.
ولا شك أن من أنكر أن الله -تعالى- متكلم فقد وصفه بالنقص، ولعله يأتينا في إثبات الكلام الأدلة على ذلك.
س: وهذا يقول: يروى عن البخاري -رحمه الله- أنه يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأرجو توضيح هذه العبارة.
ج: رويت عنه، وبعضهم أنكرها، وبعضهم اعتذر عنه، البخاري -رحمه الله- ألف كتابه الذي هو صحيح البخاري وفي كتاب التوحيد ذكر الأدلة على القرآن، وعلى إثبات أن الله متكلم، وعلى إثبات أن القرآن كلام الله، أوضح ذلك أتم إيضاح، كذلك أيضا ألف كتابه الذي سماه"خلق أفعال العباد"يرد به على المعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يقدر على خلق أفعال العباد، وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم.
ينكرون أن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعطي، ويمنع ينكرون ذلك، فأثبت بهذا الكتاب خلق أفعال العباد.
ولا شك ... أن يعني: كلمة لفظي بالقرآن مخلوق فيها احتمالان: احتمال صحيح، واحتمال غير صحيح، فالصحيح إذا أريد بلفظي حركاتي حركة لساني وحركة شفتي وحركة لهواتي هذه مخلوقة، الله -تعالى- هو الذي خلق الإنسان، وخلق أفعال الإنسان فكونك تحرك شفتيك أنت الذي حركتها، ولكن الله هو الذي أقدرك على ذلك، فهو خالق العبد وخالق أفعاله، فإذا أريد باللفظ حركات الإنسان وحركات لهواته،