ألف كتابا، رسالة صغيرة تتعلق بصفة العلو، ولما ألفها قامت عليه الدنيا، وأنكروا عليه، وشنعوا عليه، وقالوا: أبو يعلى مجسم أبو يعلى مشبه، أبو يعلى أبو يعلى ... مع أنه قاض معترف به وعالم جليل، وله كتاب مطبوع اسمه"إبطال التأويلات"يدل أيضا على أنه مظهر للحق، وأنه على العقيدة السليمة، ولكنه لم يجرؤ مثلما تجرأ ابن تيمية، وفي مناظرة أهل زمانه وبالإنكار عليهم إنكارا بليغا، مثله الإمام ابن قدامة له أيضا كتب تتعلق بالعقيدة، وهو حنبلي المذهب له مؤلفات في العقيدة منها الرسالة التي شرحناها بالعام الماضي، والتي هي"لمعة الاعتقاد"ومنها كتب في إبطال التأويل، وفي صفة العلو ونحو ذلك، ولكن لم يكن جريئا على أن يظهر للعالم ويجادل ويناضل ويخاصم؛ ذلك لأنه جل اهتمامه بتلامذته الذين يتتلمذون عليه، ولم ير أن يجادل أهل زمانه.
لا شك أن هناك أئمة وعلماء قد خالفوا في هذه العقائد، التي هي عقيدة الأسماء والصفات، وانتحلوا كثيرا، أو ذهبوا إلى كثير من التأويلات، ومنهم مثلا الإمام النووي صاحب"رياض الصالحين"، و"شرح صحيح مسلم"، وله كتاب"الأذكار"، وله كتاب"المجموع شرح المهذب"، وله كتب كثيرة، ولكن مشايخه الذين قرأ عليهم والذين تتلمذ عليهم طوال حياته في باب العقيدة أشاعرة؛ لأن المذهب الأشعري هو الذي عم في تلك البلاد، فلم يكن له من يلقنه مذهب أهل السنة، وكأنه لم يشتغل إلا بمذهب الشافعي، ولم يشتغل إلا بكتب مشايخه القريبين، وقراءته لكتب الحديث، إنما هي قراءة عابرة تأثر بأهل زمانه، فلما تأثر بهم اعتقد ما هم عليه، فذهب إلى تأويل آيات الصفات، وأحاديثها، فتجدونه في"شرح كتاب صحيح مسلم"أتى على حديث النزول، فأخذ يتأوله تأويلات بعيدة، وينكر أن يكون حقيقيا نزولا حقيقيا يليق بالله وحده، وكذلك أيضا يمر به أحاديث فيها صفات فعلية، فيتأولها حتى في"رياض الصالحين"يتأول كثيرا من الأحاديث التي فيها إثبات بعض الصفات، إذا صارت مخالفة له.
نقول: إن هذا بسبب تأثرهم بعلماء أهل زمانهم، ولا شك أن أهل الزمان لهم تأثير على غيرهم؛ فلذلك نقول: إن الإنسان عليه أن يختار من مشايخه أهل الثقة، الذين يثق بعقيدتهم حتى يكونوا قدوة له، فإذا أخذ من علماء هؤلاء المبتدعة تأثر بهم، كما هو طريقه هؤلاء العلماء الذين من الله -تعالى- عليهم بهذه المنزلة. منهم مثلا الحافظ ابن حجر شافعي المذهب شرح صحيح البخاري، مرت به الأدلة التي في أول