نقضا كاملا، ورد عليه ردا وافيا، فيما يتعلق بالصفات وكذلك فيما يتعلق بالمذهب الرافضي في حجتهم وشبهاتهم، والكتاب طبع أولا في أربعة أجزاء، ثم طبع أخيرا في عشرة أجزاء، والحادي عشر، فهارس، وهو ميسر لمن أراد الاطلاع عليه.
ليعرف أن هذا الإمام -رحمه الله- قد بذل جهدا في نصر السنة، وكذلك أيضا كتابه الثالث الذي سماه"العقل والنقل"يعرف بهذا الاسم، طبع في طبعته الأولي باسم"موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول"ثم طبع طبعة أخيرة باسم"درء تعارض العقل والنقل"؛ وذلك لأن أكثر ما يحتج به هؤلاء الأشاعرة العقل، ويقولون: العقل ينكر كذا، العقل لا يقر بكذا وكذا، فأولا: أقنعهم بأن العقل ليس مرجعا، بل المرجع الأساسي هو الشرع، والسمع، وهو النقل، وثانيا: بين لهم أن العقول الصحيحة توافق المنقولات الصريحة، ولا يحصل بينها أي تفاوت، فارجعوا إلى عقولكم وحققوها، وبين لهم أيضا أنهم متناقضون، فأحدهم يثبت صفة مثلا ثم ينفيها، ففي نفيه يقول: نفاها العقل، وفي إثباتها يقول: أثبتها العقل، فيقال: عجبا لك عقلك تغير كيف تغير بين عشية وضحاها؟
عقل واحد ينفي ثم يثبت ويأتيه عاقلان كل منهما يدعي أنه كامل العقل، وهذا يثبت هذه الصفات وهذا ينفيها، أليس ذلك دليلا على أن هذه العقول ليست مرجعا؟ فكيف تحكمونها و تجعلونها هي المرجع في هذه السنة أو في هذا المعتقد؟ لا شك أنه لما جادلهم بمثل هذه المجادلات انقطعت شبهاتهم.
فالحاصل أنه -رحمه الله- هو الذي أحيا هذه السنة بعدما كادت أن تضمحل. العلماء الذين في هذه الفترة ما سكتوا، يكتبون، ولكنهم لا يقدرون على أن يواجهوا العالم، ولا على أن يصرحوا، بل يكتبون كتابات يعطونها لتلامذتهم.
ففي القرن الخامس ظهر عالم حنبلي يقال له: القاضي أبو يعلى ابن الفراء، وكان أيضا قد قرأ في علم الكلام، قرأ على المتكلمين، وعلق بذهنه شيء من علم الكلام، ولكن لما كان منتحلا لمذهب أحمد لم يجد بدا من أن يقتني كتب أحمد، ويقتني الكتب التي ألفها الحنابلة، ولا شك أن من جملتها ما يتعلق بالعقيدة؛ فلأجل ذلك صار على هذه العقيدة.