الصفحة 34 من 322

وعلى ما أعتقد قرءوها، وإذا هي آيات، وأحاديث، وأدلة، وأقوال زاهقة للحق، ولكنهم مع ذلك أخذوا ينكرون عليه التصاريح التي صرح بها، وظهرت حجته عليهم، ولم يقدروا على مقاومته، ولكنهم -مع الأسف- لم يرجعوا إلا من قل، بل بقوا على معتقدهم.

انتشرت عنه هذه العقيدة، فسمع به علماء مصر من الحنفية، ومن الشافعية الذين على هذا المذهب، المذهب الأشعري، فرفعوا إلى السلطان في مصر وقالوا: نريد أن يأتينا حتى نناظره، وحتى لا يفسد علينا عقيدتنا، ولا يفسد علينا جماهير الأمة، فإنهم على هذا المعتقد، فكتب إليه السلطان أن يأتي إليهم، فذهب إليهم، وأقام هناك سبع سنين، أو ست سنين في مصر، كلها في جدال، اجتمعوا، وتصدى لمناظرته، أو لمجادلته عالم شافعي يقال له: ابن عدوان، ونصبوا قاضيا لهم حنفيا، يقال له: ابن مخلوف، فحضروا عنده، فقال ابن عدوان: أنا أشتكي، وأنكر على هذا الرجل، فإنه يقول: إن الله في السماء بذاته، وإن الله يتكلم بحرف وصوت، وإن القرآن حروفه ومعانيه كله عائد كلام الله تعالى.

ونحن نقول: إن كلام الله معنى قائم بذاته، وأن كلام الله ... وأن القرآن ليس هو كلام الله، وإنما هو حكاية، أو عبارة، ونحن لا نقول: إن الله على عرشه، بل ننكر ينكرون أن يكون الله على العرش، أن يكون في السماء، وأخذ يدلي عليه بحجته، فعند ذلك قال ابن مخلوف: ما تقول يا فقيه؟ فقال الإمام: فابتدأ -رحمه الله تعالى- بمقدمة الحمد، والثناء على الله -تعالى- فقطعوا عليه حمده، وقالوا: ما جئنا بك لتخطب، إنما جئنا بك لتحتج، فقال عند ذلك: فمن الحكم؟ قالوا: قاضي القضاة، ابن مخلوف يسمونه قاضي القضاة، فقال: كيف تحكم علي، وأنت خصمي؟! فعند ذلك غضب، غضب هذا القاضي، الذي هو معترف بفضله وسيادته، فلم يجد بدا من أن كتب ليحبس، ليسجن ابن تيمية، فوافق على أنه يسجن، وسجن لمدة سنتين أو أكثر، ولكن لم يتوقف عن الكتابة، بل كان يأتيه تلامذة له، ويلقون عليه أسئلة، ويملي عليهم أجوبتها، فكتب في تلك المدة كتبا كثيرة، حتى جمع منها أكثر من عشرة مجلدات، تسمى الفتاوى المصرية.

جمعت وصار ينقل منها كثيرا، ثم إنه أخرج وبعد ذلك حصلت مناظرة بينه وبين المتصوفة، أتباع عدي بن مسافر، وبعض الصوفية، فأنكروا عليه تشدده عليهم؛ وذلك لأنه ينكر على الصوفية أحوالهم الباطنة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت