الصفحة 32 من 322

الكلاب هي الحديدة التي يستعملها الحداد يقبض بها الحديد في النار، عندما يلقي الحديدة في النار حتى تحمر حتى تلين، يمسكها بحديدة لها أطراف تسمى الكلاب، يقال: كلاب الحداد التي يقبضها، فسموه بذلك؛ لقوة جدله، ثم أن أبا الحسن الأشعري وافقه عللا معتقده، كان أبو الحسن الاشعري في أول أمر معتزليا، تتلمذ على أبي علي الجبائي وعلى ابنه، وهما من المعتزلة، وعلى أبي الهزيل العلاف، وهو من علماء المعتزلة، وعلى الجاحظ، وهو معتزلي تتلمذ عليهم، فانتحل نحلتهم، وهي الاعتزال، وبقي على ذلك في أول عمره ثم إنه اقترن بابن كلاب، فتتلمذ عليه، وقرأ عليه، ثم صار على عقيدته، وبقي عليها أربعين سنة، وألف كتبا كثيرة على هذه العقيدة التي هي عقيدة ابن كلاب، ونسبت بعد ذلك للأشعري، وصار أتباعه عليها يسمون الأشاعرة أو الأشعرية، ثم إن الأشعري في آخر حياته رجع، وقرأ كتب أهل السنة، وقرأ كتب أهل الحديث، فاهتدى، ورجع عن هذه العقيدة إلى عقيدة أهل الحديث، وألف على ذلك رسالته المطبوعة التي باسم"الإبانة في أصول الديانة".

وألف أيضا كتابه الذي سماه"مقالات الإسلاميين"، ذكر مقالات المعتزلة ومقالات الكلابية، ومقالات الوعيدية، ومقالات المعتزلة، ومقالات الجبرية، والمرجئة ونحوهم، وبالغ في ذكر مقالات الجهمية، والمعتزلة، وما ينتقد عليهم، ثم بعد ما انتهى من هذه المقالات ذكر مقالة أهل السنة، وسرد عقيدتهم سردا محكما، وبينها بيانا وافيا كافيا، ولما انتهى منها قال: وبكل ما قالوه نقول، وبكل ما ذهبوا إليه نذهب.

عرف بذلك أن الأشعري أصبح من أهل السنة، في آخر أمره، وتجدون هذا الفصل الذي ذكره قد نقله ابن القيم في أول كتابه"حادي الأرواح"وفي آخر الكتاب نفسه أيضا، وكأنه يقول: هذا الكتاب الذي كتبته في ذكر الجنة من أهله الذين يستحقونه؟ هم أهل هذه العقيدة، الذين اعتقدوها عقيدة كافية كاملة لأهل السنة، ذكرها الأشعري في كتاب"المقالات"ونقلها ابن القيم في كتابه"حادي الأرواح"ونقل منها أيضا شيئا كثيرا في كتابه الذي سماه"اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية"ونقل منه أيضا شيخه ابن تيمية -رحمه الله- والحموية، ونقله أيضا زميله الذي هو الإمام الذهبي في كتابه"العلو"مما يدل على أنهم تيقنوا أن الأشعري -رحمه الله- كان على هذه العقيدة التي هي عقيدة السلف الصالح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت