لما سمع السلف -رحمهم الله- ذلك أفصحوا بما أفصحوا به، ذكروا أن بعض السلف -رحمهم الله- حبس جهميا، أو زنديقا على هذه الزندقة، بقي أياما في السجن يمتحن، فقيل له: إنه قد تاب، فقال: ائتونا به؛ لنسأله هل صحح التوبة أم لا؟ فاختبره، فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه، فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه إلى السجن، فإنه لم يتب.
وذلك لأن هذا لا بد منه، لا بد من الإيمان بهذا الاعتقاد كله، أن الله -تعالى- على عرشه، وأنه بائن من خلقه، يعني: أنه ليس مختلطا بهم، كما يقوله كثير من الجهمية والحلولية ونحوهم، تعالى الله عما يقولون.
لذلك اهتم السلف -رحمهم الله تعالى- بأمر العقيدة، نقل شيخ الإسلام في"الحموية"رسالة نحو صفحتين، أو ثلاث صفحات، أو أربع صفحات عن عالم من علماء المدينة في زمن الإمام مالك هو عبد العزيز بن الماجشون إذا قرأت هذه الرسالة، عرفت بذلك أن السلف -رحمهم الله- أولا: يحبون العمل بالدليل، ويتقيدون به، وأنهم يصرحون بما يعتقدونه، ويذكرون ذلك ذكرا صريحا، وأنهم يردون، وينكرون على كل المبتدعة، ويضللونهم، ويسفهون أحلامهم، وينكرون إنكارا بليغا على من رد شيئا من أمر الله -تعالى- أو أمر رسوله، أو خالف المعتقد السليم.
في القرن الثاني ابن الماجشون، في زمن الإمام مالك ذلك دليل على أنه قد بدأت البدع تظهر، وبدأت تظهر أعناقها، وبدأ أهلها يتمكنون، ولكن الحق حق، والحق أقوى، وأهل الحق أقوى وأكثر وأقوى حجة. هذا في ذلك الزمان، أما في آخر القرن، في آخر القرن الثاني قويت بدعة الجهمية؛ وذلك لأنهم صاروا يقتنصون الجهلة، فيلقون عليهم تلك الشبهات، فيشبهون بها على طوائف كثيرة من الجهلة، ومن ضعفاء الإيمان، فيشككونهم في أمور المعتقد فظهر في ذلك الزمان كثير من الزنادقة الذين هم منافقون، إيمانهم متزعزع، ولكن انتبه لهم الولاة وانتبه لهم الأئمة، وصاروا يحذرون منهم، فيقولون: فلان متهم فلان زنديق.
ذكروا في التاريخ أن الخليفة المهدي أحضر واحدا من أولئك الزنادقة، ولما استفصل منه وجدت قرائن، ونقول كثيرة، تدل على أنه منافق، وأنه ليس بمؤمن، وأنه يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأنه شاك في أمر الله -تعالى- وفي أمر البعث، فعند ذلك أمر بقتله، فلما تحقق أنه مقتول قال: أيها الخليفة، كيف تفعل