وشككوهم في عقائدهم وشككوهم في مبدأ أمرهم، ومنتهاه، ونشروا بينهم شبهات الفلاسفة وشبهات المنجمين، وشبهات الزنادقة والملاحدة، ونحوهم.
أثاروا تلك الشبهات فيما بينهم فانخدع بها كثير، فلما رأى السلف -رحمهم الله- تلامذة التابعين، وتلامذة الصحابة رأوا هذه الآثار في هؤلاء المنحرفين، لم يجدوا بدا من أن يصدعوا بالسنة، وأن يظهروا أمر العقيدة، وأن يصرحوا للناس بما هم عليه حتى يعرف جماهير الناس العقيدة السليمة، فيتمسكوا بها، ويعرفوا أن من خالفها فإنه بدعة، ونحلة سيئة، فهذا -مثلا- الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي إمام المسلمين في عهد تابع التابعين في الشام، يقول - رضي الله عنه - كنا والتابعون متوازرون نقول: إن الله -تعالى- فوق عرشه فوق سماواته، ونؤمن بما جاء في كتاب الله من الصفات، ما الذي حمله على أن يصدع بهذا، ويذكر الإيمان بأن الله فوق عرشه، والإيمان بما جاءت به النصوص والآيات، حمله على ذلك ما فشا في زمانه من هذه البدع التي خشي منها على تلامذته، وعلى زملائه أن يقعوا فيها، فيكونوا منحرفين مخالفين للمعتقد السليم، وهكذا -أيضا- غيره من السلف من تابعي التابعين.
الأوزاعي توفي سنة سبع وخمسين ومائة، أي في وسط القرن الثاني، وهو من كبار تابعي التابعين، ومثله -أيضا- الإمام مالك بن أنس عالم المدينة، فإنه اشتهر عنه من الإيمان بالصفات الشيء الكثير، مثل تفسيره للاستواء بقوله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ومثل ما صرح به من قوله: نقول: إن الله -تعالى- على عرشه، إن الله -تعالى- في السماء فوق عباده، وعلمه مع جميع العباد.
ما صرح بذلك إلا لما اشتهرت البدع في ذلك الزمان، وكثر الذين يتحدثون بها، فكان ذلك سببا في أن السلف -رحمهم الله- أوضحوا ما يعتقدونه؛ ليكون تلامذتهم على بصيرة؛ وذلك لأن المبتدعة ما سكتوا، بل أخذوا ينشرون عقيدتهم، فالجهمية -مثلا- صرحوا بأن القرآن مخلوق، وأن الله - تعالى- لا يتكلم، وأن الله لا يحب ولا يبغض، وأن الله ليس على عرشه، وليس فوق السماء، وليس فوق العرش إله يعبد .. إلى آخر ذلك من تصريحاتهم التي تقشعر منها الجلود.