ظهر في فترات قصيرة متقطعة في التاريخ الإسلامي أكثر من إمام، فإن ذلك عائدٌ لمحاولة نقل الخلافة من أسرة إلى أخرى؛ حيث حاول الفاطميُّون نزعَها من آل العباس إليهم، وكذلك حاول الأُمَوِيُّون في الأندلس عند ضعف شأن الخلافة العباسية، مع كون أوائلهم - كعبدالرحمن الداخل - لم يتسمَّوا باسم الإمام، وكان اعتبارهم لدى الدولة الإسلامية أنهم في دار بغي، خارجون على سلطان الإمام، مع سريان أحكام الإسلام في دارهم، ولم يُعتَبروا دولًا أجنبية كدول دار الحرب مطلقًا.
يضاف إلى ذلك أن ما ظهر في التاريخ الإسلامي من بروز بعض الكيانات السياسية الخارجة عن الخلافة الإسلامية؛ نحو ظهور الخوارج في عهد الدولة الأموية، وانفصال إيران عن الخلافة في عهد الدولة العثمانية - لا يعدُّ قبولًا من المسلمين لمبدأ التعدُّدية السياسية، أو جواز تعدُّد دولة المسلمين، فتلك الكيانات إنما ظهرت في فترات متقطعة في التاريخ الإسلامي بسبب وجود فِرَق ومذاهب إسلامية لا ترى شرعية الحكَّام الذين كانوا يتقلَّدون منصب الإمامة الكبرى حينئذٍ؛ حيث إن فقهَ مذهب الخوارج والفقهَ الشيعيَّ يشترطان شروطًا خاصة في الإمام، ولا يَرَيانِ جواز التولية للإمامة إلا لمَن توافرت فيهم شروط خاصة، ولكن مع ذلك فإن كلاًّ من المذهبين يتَّفق مع المذاهب الإسلامية الأخرى في وجوب وحدة المسلمين وانضوائهم في كيان دولة موحَّدة، تقتصر البَيْعة فيها على إمام واحد، كما أن الواقع التاريخي يشهد أن أمراء الولايات حتى عند ازدياد سلطتهم بسبب ضعف السلطة المركزية - نحو ما حصل في العصر العباسي الثاني - كانوا مع ذلك حريصين على الحصول على الصبغة الشرعية لحكمهم بأخذ الولاية والتفويض من الخليفة، وضرب اسمه على النقود، وإرسال جزء من الخَراج والزكاة لدار الخلافة، والدعاء له على المنابر لإثبات شرعية سلطاتهم بخضوعهم للخليفة.
وزيادة على ذلك أن واقع التعدُّدية السياسية يشهد بقيام كيانات وأنظمة تشريعية مستقلة، منبثقة من أطر وطنية تجعل المسلم أجنبيًّا في بلاد المسلمين، وتضع التشريعات الكفيلة بترسيخ التجزئة السياسية للأمة الإسلامية، وهو ما لم يحصل قط في تاريخ الإسلام قبل انهيار الخلافة الإسلامية؛ حيث لم توجَد قط حدود أو فواصل تمنع المسلم من الاستيطان، أو التنقل داخل دار الإسلام، أو الحصول على الحقوق الشرعية له كمسلم في أي جزء من بلاد المسلمين.
ومما سبق يظهر أنه، فضلًا عن صراحة الأدلة الموجبة لوحدة الدولة، فإن شروط شرعية السلطة من وجهة نظر الإسلام، والتي تتمثل في كلٍّ من"البيعة الشرعية"، وفي"اتباع الشرع"