لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث التالي:"إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ". فإذا كنتَ تظن أن الشدة مطلوبة ومستحبة في دين الله تعالى مثلًا، وأن مثل هذا الشخص لا يصلح إلا بذلك، فإنه إذا لم يكن موضعها ذلك الموضع فهذه ليست من الدين في شيء لأنها ليست رفقًا، بل هي عنفٌ. لذلك يقول:"ويُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ". وقد يتطرق إلى عقل المرء أنه ليس بعُنْفٍ ولا شيء، إنما يقول:"أنا أتكلم معه فقط، ولا يكون كلامي على هذا هو العنف المقصود". لذلك نستكمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال:"إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ويُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ"فليس المقصود ترك العنف فقط، بل وترك كل ما سوى اللين لأنه - سبحانه وتعالى - يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ولا على ما سواه [1] . وهذه الرواية الأخيرة رواية الإمام مسلم. فأنت إذا كنتَ تريد - أيها المسكين - بعُنْفِك أو بفَظَاظَتِك أو بشدَّتك أو بتَصْعِيدك للأمور أو بإِغْلاظِك وزَجْرِك أن تُحصِّل ثوابَ الله تعالى فاعْلَمْ أنك لا تُحصِّل ثوابًا بذلك، بل على العكس: فإن الله تعالى يُثيب على الرفق - يعني يعطي الثواب الجزيل على الرفق - ولا يُعطيه على العنف ولا يعطيه على ما سواه. يعني كأنه يريد منك ما هو أكثر من مجرد ترك العنف.. يريدك أن تترك العنف وأن تكون لَيِّنًا، لأنك ترجو بذلك ثواب الله تعالى كما ذكر، لذلك يقول:"وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ"يعني: يُثيب.
(1) وفي رواية في الموطأ وغيره:"إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ". ص645، دار ابن رجب.