فـ"لَا تُزْرِمُوهُ"يعني: لا تقطعوا عليه بَوْلَه.. إنه يبول في مسجد النبي!! ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم:"لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ". ولم يكن منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دعا بدلو من ماء فصُبَّ عليها، فكان أن حل عليه الصلاة والسلام المشكلة ببساطة وبغير فظاظة ولا إغلاظ ولا سخرية ولا غيره بل بالرفق. وهذا فيه كما يقول أهلُ العلم: إرشادُ الجاهل وتعليمه مع الرفق به إذا لم يظهر منه العِناد. فإذا رأيتَ مثلًا أحدًا من إخوانك يفعل أو يأتي بقول أو بتصرف من التصرفات السيئة التي علمتَ أنه ينبغي إرشاده وتعليمه فيها، فحينئذ ينبغي استعمالُ الرفق معه حتى تصل إلى ما تصبو إليه من هدايته وأَخْذِه إلى الله تعالى، وتقريبِه إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم. تأملْ كيف فتح الرفقُ قلبَ الأعرابي وأثر فيه، حتى قال لما رأى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا"! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا"يعني من رحمة الله تعالى. كأنه يقول: ارحم من رفق بي فقط محبةً لفعله وتقديرًا له.
فانظر كيف كان فِعْلُ النبي صلى الله عليه وسلم وقوله معه! وتأمل ما يُدخل الرفقُ في قلوب الناس من المحبة للرفيق التي بها يستجيب الخلقُ إلى الله تبارك وتعالى، ويبتعد بها الشيطان، ويحتفظ بها المرءُ بمودته بينه وبين إخوانه، ثم يجعل للمسيء طريقًا للرجوع. وعلى عكس ذلك: فلو قلتَ له قولًا غليظًا لأغلقتَ عليه طريق الرجوع عن فِعلته ولعاند واستمر في غيه، وعندئذٍ يصعب عليك أن تكلمه مرة أخرى، ولا أن تسلم عليه. فهذه مشاكل وطرق الشيطان التي يسلكها من لم يستفد من اسمه"الرفيق"- سبحانه وتعالى - .