الصفحة 21 من 24

كنت كلما أتيت على قوله تعالى {فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد وهذه كتلك تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب يدفعه دفعا إلى الحركة به والاحتفال بشأنه وإبلاغه للآخرين في جد.

هذه الحقيقة التي يدركها الجن ويغفل عنها البشر ولا يخفى ما في هذه اللفتة من إيحاء عميق متفق مع ما جاء في السورة كذلك ما يرد في كلام الجن من الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح ودلالته على قدرة الله الظاهرة في خلق السماوات والأرض الشاهدة بقدرته على الإحياء والبعث.

وتأمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يسأل فيه ربه مستغيثًا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى:"اللهم إني أسالك بكل اسم هولك سميت به نفسك أوأنزلته في كتابك أوعلمته أحدًا من خلقك أواستأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همومنا وأحزاننا ...".

فمن المؤكد أن تستشعر في آهات دعاء النبي أن القرآن الكريم هونور الأبصار، وربيع النفوس، وكاشف الهم والغم، وشفاء لما في الصدور، ورحمة للمؤمنين، وفرقان للحيارى، وإرشاد للمهتدين، وإنذار للأحياء، ويحق الله به القول على الكافرين.

وللتعبد بالقرآن، قراءة وسماعًا وتدبرًا، نور وحلاوة، ويُعَدّ سماع القرآن الكريم عبادة صامتة يغفل عنها الكثيرون؛ ويقول الله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ القرآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] .

ويقول ابن بطال تعليقًا على هذا الحديث، كما ورد في فتح الباري: يحتمل أن يكون الرسول قد أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرضًا، أوأن يكون لكي يتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أنشط من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها.

ويبدوأن عدم التدبر من صفات أعمى القلب؛ فلقد نعى الله تعالى على الكفار عدم استجابتهم للسماع؛ فقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت