الصفحة 20 من 24

لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء 141] ، وأمة الوسطية، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] .

تذكر عندما جاء حكيم العرب -كما وصفوه- يساوم النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ مقلبًا له الأمور على كل وجوه الاسترضاء التي يقبلها البشر، وهنا يقول له النبي - صلى الله عليه وسلم:"أفرغت أبا الوليد"، يقول نعم فيقول له:"فاسمع مني"، ثم تلا عليه سورة فصلت حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] .

فوضع يده على فم النبي - صلى الله عليه وسلم - وناشده الله والرحم ألا يكمل. وعاد لقومه بوجه غير الذي ذهب به، ولما سئل قال:"سمعت منه كلامًا ليس من كلام الجن ولا من كلام الإنس، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق، وإنه يعلوولا يُعلى عليه".

وتذكر قول الحبيب - صلي الله عليه وسلم- لعبد الله بن زيد عندما جاء بصيغة الأذان، رغم أنها مشروعه ورؤيته وعمله، إلا أن النبي قال له اذهب إلي بلال فانه أندى منك صوتًا، فصدع بها بلال بن رباح - رضي الله عنهم وأرضاهم - حتى اقترن اسمه بالأذان، وكان مؤذن رسول الله - صلي الله عليه وسلم .. !!

وتذكر قول الله عز وجل {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القرآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 29] يقول صاحب الظلال في هذه الآية: (وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن مفاجأة أطارت تماسكهم وزلزلت قلوبهم وهزت مشاعرهم وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر امتلأ بها كيانهم كله وفاض فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة فائضة بما لا تملك له دفعًا ولا تملك عليه صبرًا قبل أن تفيضه على الآخرين في هذا الأسلوب المتدفق النابض بالحرارة والانفعال وبالجد والاحتفال ... إنا سمعنا قرآنا عجبا فأول ما بدا لهم منه أنه عجب غير مألوف وأنه يثير الدهشة في القلوب وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح ومشاعر مرهفة وذوق ذواق عجب ذوسلطان متسلط وذوجاذبية غلابة وذوإيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب وهؤلاء هم الجن مبهورين بالقرآن مسحورين متأثرين أشد التأثر منفعلين أشد الانفعال لا يملكون أنفسهم من الهزة التي ترج كيانهم رجًا ثم يعرفون الحق فيستجيبون له مذعنين معلنين هذا ... أخرج الترمذي بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن إلى آخرها فسكتوا فقال: لقد قرأتها على الجن فكانوا أحسن ردودًا منكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت