فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة:50] "ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم" [1] .
ورغم كل هذا لم يصدقوا أن الطاغية قد مات، لقد انغرس في وجدانهم أن هذا الطاغية لا يقهر، فلما رأوا نهايته لم يصدقوا، قال القرطبي:"قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلقيك على نجوة من الأرض. وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، وقالوا: هو أعظم شأنا من ذلك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه" [2] .
واليوم كذلك كثير من الناس بعدما رأوا آية زوال طاغية العصر، الفرعون العتيد، لم يصدقوا أن دولته قد زالت، لم يصدقوا أن الحق قد انتصر، لقد أصاب القلوب ما أصاب بني إسرايل من قبل، الضعف والوهن، والخوف من بطش البشر، رقَّ في القلوب خوف الله فزاد خوف البشر!!
أجيال عاشت تحت أقدام من ساموهم سوء العذاب، وألفت العيش في القيود والسجون، حتى إذا ما فتحت أبواب الحرية أصيبوا بالصدمة، والحيرة ...
هل رحل السجان حقا ً ... ؟!
هل انتهى السجن فعلا ً ... ؟!
وإذا خرجنا ماذا سنفعل خارج السجن ... ؟!
رحم الله أيام فرعون ... كنا في راحة من عناء التفكير وألم الاختيار ... !!
من المنطقي أن قوما ً شهدوا كل هذه الآيات أن تخضع قلوبهم وعقولهم لله، وأن يبادروا إلى ذكر ربهم وحمده والثناء عليه بما هو أهله، لكن العجب العجاب أن هذه الأمة العجيبة ردت على هذه النعم المتوالية بآخر شيء يتصوره العقل السوي والفطرة السوية، لقد استجابوا لنعم ربهم بطلبهم إلهًا آخر!!
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ - إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف:138 - 140]
لقد بدأت بوادر التمرد في الظهور، لقد اعتبر بنو إسرائيل ما حدث لهم إنما هو حق مكتسب، وليس محض منة من الله تعالى، لقد بدأ ظهور الشعب المختار، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [المائدة: 18] ، قال ابن كثير رحمه الله: وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
قال الله تعالى رادا عليهم: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} أي: لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه، فلم أعَد لكم نار جهنم
(1) ) تفسير ابن كثير:1/ 398.
(2) ) تفسير القرطبي: 11/ 47.