الصفحة 20 من 31

فلم ينتفع إلا القليل ....

ولم يؤمن إلا القليل ...

وحتى هذا القليل الذى آمن كان فرعون نصب أعينهم وفي وجدانهم ...

نجح الطاغية في أن يغرس الخوف والفزع في القلوب والعقول ... فمن آمن آمن على خوف ...

قال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] قال الطبري رحمه الله:"فلم يؤمن لموسى، مع ما أتاهم به من الحجج والأدلّة {إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} خائفين من فرعون وملئهم" [1]

لقد ظل هذا الخوف ملازمًا لبني إسرائيل، جاثمًا على قلوبهم حتى بعدما رأوا هلاك فرعون بأعينهم!!

لقد اقتربت ساعة نهاية الطاغية لما صدر الأمر الألهي لموسى عليه السلام بالخروج ببني إسرائيل، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء: 52] قال القرطبي رحمه الله:"لما كان من سنته تعالى في عباده إنجاء المؤمنين المصدقين من أوليائه، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين المكذبين لهم من أعدائه، أمر موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا وسماهم عباده، لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى {إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سحرًا، فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول: هكذا أمرت" [2]

وبالفعل بلغت الأخبار البلاط الفرعوني" {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} يجمعون الناس، ليوقع ببني إسرائيل، ويقول مشجعًا لقومه: {إِنَّ هَؤُلاءِ} أي: بني إسرائيل {لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} ونريد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد، الذين أبِقُوا منا."

{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} أي: الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة، فخرج فرعون وجنوده، في جيش عظيم، ونفير عام، لم يتخلف منهم سوى أهل الأعذار، الذين منعهم العجز" [3] ."

وجاءت لحظة المواجهة: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61] قال الطبري رحمه الله:"فلما تناظر الجمعان: جَمعُ موسى وهم بنو إسرائيل، وجَمعُ فرعون وهم القبط {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي إنا لملحقون، الآن يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا، وذكر أنهم قالوا ذلك لموسى، تشاؤما بموسى" [4] .

نعم لاتزال القلوب خائفة، ولايزال السخط سائدًا، ما كان أغنانا عن اتباع موسى، ما كان أغنانا عن مواجهة فرعون، لكن موسى عليه السلام كان واثقًا من وعد ربه: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ - فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ

(1) ) تفسير الطبري: 12/ 244.

(2) ) تفسير القرطبي: 16/ 23.

(3) ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:591،و الآيات من سورة الشعراء: 53 - 56.

(4) ) تفسير الطبري: 17/ 580.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت