الموضع الخامس: من ناحية الاستدلال ، فقد حمّل أقوال السلف ما لا تحتمله استنادا لما تقرر عنده أنه هو التنزيه اللائق بالله جل جلاله. وسنبين هذا بأمثلته:-
أولا: عند ما نسب أم المؤمنين أم سلمة إلى التفويض لم يذكر لنا أي رواية على صدق هذا المزعوم إلا قول الزركشي: نُقل الإمساك عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سئلت عن استواء (كذا!) فقالت:"الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة".
فهذا القول عن أم سلمة رضي الله عنها ذكرنا أنه منقول أيضا عن عدد من السلف ، والروايات تدل على أن السؤال كان عن الكيفية. ولو كانت أم سلمة رضي الله عنها مفوضة لا تعرف معنى الاستواء لما قالت إنه معلوم . ولكن سئلت عن الكيفية ، والذي يسأل عن الكيفية مبتدع يجاب بمثل ما أجابت به رضي الله عنها .
ثانيا: عند ما نسب التفويض إلى الإمام الأوزاعي إنما نقل عن الزركشي قوله: وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال:"الرحمن على العرش استوى كما قال وإني لأراك ضالا". وهذا ظاهر أيضا في أنه سأله عن الكيفية ، فكان الجواب على الطريقة السلفية في إثبات الصفات كما جاءت فقال: الرحمن على العرش استوى كما قال - يعني بدون تأويل - ثم قال له: وإني أراك ضالا. ولا شك أن الذي يسأل عن كيفية صفات الله تعالى مبتدع ضال كما قال رحمه الله .
ثالثا: ومثله أيضا نسبته التفويض إلى الإمام إسحاق بن راهويه - أحد أئمة المحدثين - فنقل عن الزركشي قوله: وسئل ابن راهويه عن الاستواء أقائم هو أو قاعد ؟ فقال: لا يمل عن القيام حتى يقعد ، ولا يمل عن القعود حتى يقوم ، وأنت في غير هذا السؤال أحوج .