ولا يتعارض ما تقدم من علوه على خلقه ما تقرر أيضا من أنه مع خلقه قريب مجيب ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ? [الحديد: 4] ولكن يجب أن نفهم هذه المعية حسب ما فهمها السابقون من أئمة العلم والدين . وسياق الآية وسباقها يدلان على أن معيته مع خلقه معية العلم ، فهو معهم بسمعه وبصره وعلمه وقدرته لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء 37. اقرأ الآية السابقة من أولها: ?هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ? [الحديد: 4] . ففي أول الآية أثبت الله استواءه على العرش بعد خلق السموات والأرض ثم في وسطها أثبت إحاطة علمه بالمخلوقات وأثبت معيته معهم ثم بين نوع المعية بقوله: ?والله بما تعملون بصير? .
ومثل هذا ما ورد من دعاء النبي ^ حيث يقول:"اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل"38 فهو سبحانه مع المسافر في سفره ومع أهله في وطنه ولا يلزم من ذلك أن تكون ذاته مختلطة بذواتهم، كما قال:?مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ? [الفتح: 29] أي معه على الإيمان ، لا أن ذاتهم في ذاته بل هم مصاحبون له . وقوله:?إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ? [النساء:146] يدل على موافقتهم في الإيمان وموالاتهم ، وكذلك قوله:?وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ? [التوبة: 119] ?وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ? [البقرة: 43] . فالله تعالى عالم بعباده وهو معهم أينما كانوا ، وعلمه بهم من لوازم المعية .39