وإثبات علو الله على خلقه وفوقيته عليهم هو مقتضى الفطر السليمة التي لم تتلوث بلوثة الابتداع ولم تَشُبْها شائبة علم الكلام وذلك أن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله لا يلتفتون يمنة ولا يسرة . وبهذه الحجة قهر الشيخ أبو جعفر الهمداني الأستاذ أبا المعالي الجويني المتكلم المعروف بإمام الحرمين حتى ضرب على رأسه وقال: حيرني الهمداني ! حيرني !! كما حكى القصة الإمام ابن أبي العز في شرحه لعقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي16.
وبذلك أيضا احتج الإمام أبو الحسن الأشعري في الإبانة . قال:
ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء ، لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السموات ، فلو لا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض.17
ونقل المجدد الشيخ عثمان بن فودي رحمه الله عن الشعراني ما يدل على هذا وهو قوله:
فإن قيل: فما الدليل على أن معرفة الحق تعالى واجبة؟ فالجواب أن دليل ذلك كون المعرفة من الأمور التي يسهل الوصول إليها ، فإن الإنسان إذا اضطر وضاقت به المسالك فلا بد أن يستند إلى إله يؤوب إليه ويتضرع نحوه ويلجأ إليه في كشف الضر ويسمو قلبه ويصعد إلى السماء ويشخص ناظره إليها من حيث كونها قبلة الدعاء للخلائق أجمعين . فيستغيث بخالقه وبارئه طبعا وجبلة لا تكلفا . ومثل ذلك قد وجد في الوحوش والبهائم أيضا فإنها ظاهرة الخوف والرجاء رافعة رؤوسها إلى السماء عند فقدان الكلأ والماء وإحساسها بالهلاك والفناء . وكذلك شاهدنا الأطفال عند اللأواء يرفعون مسبحتهم نحو السماء . وهذا كله مركوز في جبلة الحيوانات فضلا عن الإنسان العاقل، فهي الفطرة المذكورة في القرآن والحديث.18
إثبات أن الله في السماء