أمَّا الفضائل في نظر الإسلام وحكمه فإنها صبغة لا تتحول وحقيقة لا تتغير ولا تتبدل. فالصدق في معناه الإسلامي هو الصدق لا تتصرف في معناه المصالح والمنافع، ولا تتلاعب به الأهواء والمطامع، والوفاء هو الوفاء، والعدل والإحسان والرفق والعفو عند القادر، كل أولئك من الفضائل الثابتة ثبوت الحقائق لا تنال منها تصاريف الأيام، ولا يتصور أن يأتي على الناس يوم تُجْمِع فيه عقول العقلاء على أنَّ الصدق مثلًا رذيلة تَصِمُ صاحبها بالذم إلاَّ إذا جوزنا مجيء يوم يخرج فيه الكون من تدبير الله إلى تدبير الشيطان ويكون أفضل الذكر فيه أن يقال كلما ذكر الشيطان: -رضي الله عنه-.
فالموازين القرآنية للفضائل هي التي يجب أن تحكم في العقول حتى تأْمَنَ على الفضيلة ما يجري بيننا على «الأوراق النقدية» .
ونحن أهل القرآن أحق الناس بالدعوة إلى هذا وتبيّنه ونشره في هذا العالم المضطرب الذي فقد الفضائل الإنسانية، فانحدر إلى حيوانية عارمة توشك أنْ تفضي به إلى الفناء.
نحن أهل القرآن - الذي وضع الموازين القسط للفضائل وحثَّ عليها وجعلها أساسًا للسعادة، وسلمًا للسيادة - أولى الناس بأنْ نَزِنَ النهضات بحظوظها من الفضائل، وأن نبني بأيدينا أساس نهضتنا على صخرة الفضائل طبقًا عن طبق، ونحن - لو أجلنا بصائرنا في القرآن - أبعد الناس عن فساد التصور في تسمية هذه الحركات المتهافتة في المجتمعات الإسلامية نهضة.
-وفي مقال «داء المسلمين ودواؤهم» [1] يقول:
الباحث في أحوال المسلمين بحث تَقَصٍّ واستقراء رجل من اثنين: رجل من أنفسهم ورجل من غيرهم، وكلا الرجلين يجتمع بصاحبه في نقطة تبعث الحيرة وهي: كيف يسقط المسلمون هذا السقوط المريع وفيهم كل أسباب الصعود وبين أيديهم كل ما ارتقى به أسلافهم، فأصول الدين من كتاب وسنة محفوظة لم يَضِعْ منها شيء، وأسباب التاريخ واصلة لم ينقطع منها شيء، واللغة إن لم ترتق لم تنحدر، والعرب الذين هم جذْمُ [2]
(1) مجلة (المسلمون) السنة الثالثة، العدد 9، ذو القعدة 1373 هـ، وانظر آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
(2) جذم: يعني أصل