وعندهم» ثم يجلس في المدرسة فلا يسمع ذكرًا للإسلام، ولا تمجيدًا لمبادئه وعظمائه وتاريخه، ولا يرى فيها شيئًا من مظاهره بل لا يسمع إلا تحقيرًا لماضيه وغضًا من أمجاده.
إذا كان لا يسمع في مضطربه إلاَّ هذا، ولا يرى إلاَّ هذا - فكيف نطمع أن ينتصر مع هذه الدعايات الجارفة؟ إننا حين نطمع في هذا لفي غيٍّ بعيد.
إن شبابنا؛ لجهلهم بالإسلام أصبحوا لا يثقون بماضيه؛ وكيف يثقون بماض مجهول وهذا حاضره؟ أم كيف يدافعون عن هذا الماضي المجهول إذا عرض لهم الطعن فيه في الكتاب الطاعن؟ أم سمعوا اللعن له من الأستاذ اللاعن؟ أم كيف يفخرون بالمجهول إذا جليت المفاخر الأجنبية في كتاب يقرره قانون، ويزكيه أستاذ؟ اعذروا الشبان، ولا تبكوا على ضياعهم فأنتم الذين أضعتموهم، ولا تلوموهم ولوموا أنفسكم.
أهملتموهم فذوقوا وبال الإهمال، وأنزلتموهم إلى اللجة، وقلتم لهم إياكم أن تغرقوا، ثم استرعيتم عليهم الذئاب ومن استرعى الذئب ظلم.
لا أحمق منَّا: نُلَقِّن أبنائنا الخلاف في الدين والدنيا بأعمالنا، ونقول لهم بألسنتنا اتّحدوا، وإنَّ صالحةً يأخذها الابن عن أبيه بطريق القدوة خير من ألف نصيحة باللسان.
النهضات الصادقة تبدأ من الأخلاق وتنتهي إلى الأخلاق، وما زادت بحوث الفلسفة ماضيها وحاضرها في الأخلاق شيئًا على ما جاء به الإسلام، وأقرَّته الفطر السليمة، ويزيد الإسلام على هذه الفلسفات ويشقُّ بقوة العرض للفضيلة، والتشويق لها، وشرح آثارها في الفرد والجماعة، وبيان صلتها الوثيقة بالأقانيم الثلاثة: الحق، والخير، والجمال.
وإن شعراء العرب الفطريين لأَدَقُّ تصويرًا للفضائل، وأصدق تعبيرًا عليها، وتفسيرًا لآثرها، وحثًَّا على التحلي بها من جميع الفلاسفة النظريين، وقد أثرت الماديات في هذا العصر على عقول فلاسفته، ورانت عليها العصبيات الجنسية والإقليمية حتى انعكس نظرهم في فهم الفضيلة؛ فسموها بغير اسمها، فأصبحت القوة فضيلة يدعى إليها بدل الرحمة، والظلم فضيلة يُتَمَجَّد بها بدل العدل، والاستعباد فضيلة يتغنى بها بدل الحرية.
وكل هذا يدل على أن الفضيلة في نظر الفلسفة العملية الجديدة هي لباس للعقل لا نبع منه، وأنها خاضعة للحكم لا للحكمة.