الصفحة 44 من 50

الإسلام ما زالوا يحتفظون بكثير من الخصائص الجنسية ومعظمها من المكارم والفضائل، والأرحام العربية ما زالت تجد من بين العرب من يَبُلُّها بِبَلالها، فلم تجفُ الجفاء كله، وإن لم توصل الوصل كله، والتجاوب الروحاني الذي تردِّد صداه كلمة الشهادة في نفوس المسلمين وكلمة التلبية في جنبات عرفات لم يتلاشَ تمامًا، والأرحام المتشابكة بين المسلمين لم تجف الجفاف الذي يقطع الصلة، ومن السنن الكونية المقرَّرة في سقوط الأمم وعدم امتداد العزة والرقي فيها أن ينسى آخرها مآثر أوَّلها فينقطع التيَّار الدافع فيتعطل التقدم.

والمسلمون لم ينسوا مآثر سلفهم، بل هي بينهم مدوَّنة محفوظة مقطوع بها بالتواتر، بل هم أكثر الأمم احتفاظًا بمآثر السلف وتدوينًا لها، ولا يعرف بين أمم الأرض أمة كتب علماؤها فيما يسمونه الطبقات والسير مثل ما كتب المسلمون في ذلك.

والباحث الأجنبي معذور إذا تحير، وقد يخفف عنه ألم الحيرة ابتهاجه بهذا السقوط، وإن بحثه عن الداء ليس بقصد الدواء، فقد عودنا كثير من هؤلاء الباحثين الأجانب أنهم لا يبحثون لذات البحث، ولا يدرسون هذه المواضيع لوجه التاريخ الخالص، فضلًا عن أن نجد عندهم ما يطلب من العالم المخلص، وهو أن يرمي ببحثه وبإعلان نتائج بحثه إلى تنبيه الضال؛ ليهتدي، والمريض؛ ليسعى في الاستشفاء، والساقط؛ ليأخذ بأسباب الصعود والنهوض، وإفهامه أن الأيام دول، وأن من سار على الدرب وصل، بل نرى أكثرهم يتعمَّد إضلالنا في تعليل الأشياء؛ كي لا يقف المريض على حقيقة دائه فيغفل مغترًا، أو يعالج داءه بداء أضر، أو يضع الدواء في غير موضعه، وقد نرى منهم من ينتهي من بحثه بنتيجة وهو أن سبب انحطاط المسلمين هو الإسلام نفسه، وإنَّ من يستطب لدائه بإشارة عدوه لحقيق بأن يسمع مثل هذه النصيحة.

أما الباحثون في أحوال المسلمين من المسلمين فهم ينقسمون إلى فريقين - بعد اتفاقهم على أن الجسم الإسلامي مريض وأن مرضه عضال - فريقٍ منهم هُدِيَ إلى الحق فعرف أن الجسم الإسلامي لا مطمع في شفائه إلاَّ إذا عولج بالأشفية القديمة التي صحَّ بها جسم سلفه، وغذي بالأغذية الصالحة التي قوي عليها سلفه؛ وذلك أنه أقام الدين؛ فاستقامت له الدنيا، وانقاد إلى الله؛ فانقاد له عباد الله، وأخذ كتاب الله بقوة؛ فمشى على نوره إلى السعادة في الدارين، وأرشده إلى أنَّ سعادة الدنيا عزٌّ وسلطان، وعدلٌ وإحسان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت