ولما حصل من أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهم الصحابة مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يكونوا يرونه معصية، سلط عليهم العدو فقتل منهم سبعين وشج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت البيضة على رأسه، وكسرت ثنيته وقتل عمه صلوات الله وسلامه عليه، ولما شق ذلك على الصحابة، وأشكل عليهم، كيف يدال عليهم وهم المؤمنون ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] ، أي بسبب عصيانكم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آل عمران: 152] ، فلا بد من طاعة الله وطاعة رسوله، والتمسك بذلك والحذر من المخالفة والمعصية، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يوصي بعضهم بعضًا بالحذر من المعصية فإنها سبب تسليط العدو، ثم إعداد العدة والتوكل على الله تعالى والتوسل إليه ببذل النفوس في طاعته بأن ينزل نصره وتأييده، فإذا صدق العبد مع ربه فهو تعالى معه بنصره وحفظه وتأييده.
وأما تفرق المسلمين واختلاف قلوبهم الذي أصيبوا به في هذا الوقت فهو بسبب عدم اهتمامهم بدينهم وعدم تطبيقهم تعاليمه، وضعف إيمانهم، فترى المسلمين اليوم عددهم كثير لكنهم غثاء كغثاء السيل نزعت من قلوبهم المهابة وقذف فيها الوهن، الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، وأحاطت بهم الأعادي كإحاطة الأكلة على مأكولهم.
وذلك لأنهم تنازعوا فتفرقت قلوبهم ففشلوا وذهبت ريحهم، فخالفوا أمر الله وارتكبوا ما نهاهم عنه. قال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] ، أي قوتكم وهيبتكم، وهذا هو الداء الذي إذا حل بقوم أصبحوا نهبة