وقوة العزائم، ووزن الدنيا في واقعها بميزانها الحقيقي، فلم يركنوا إليها، ولا كان أملهم الترأس، وطلب السلطة، والحصول على الوظائف التي يترفعون بها على الخلق، أو يجنوا ثمارها، فقد عرفوا الدنيا وعرفوا سرعة زوالها فلم يغبنوا أنفسهم بها، كما أنهم عرفوا الآخرة وجعلوها نصب أعينهم، فلخلودها يعملون وعليها يحرصون، ولذلك هان عليهم بذل نفوسهم وأموالهم في سبيلها راغبين بها عن الدنيا بديلًا فكان أحدهم يخرج عن ماله لله ولرسوله، وكانوا يتسابقون إلى ما يرضي الله ورسوله.
فلا بد لمن يريد ترسم خطاهم بنشر رسالة الحق بين الخلق، والوقوف في وجه الباطل والشر والفساد، أن يهيئ نفسه لتحمل المكاره، والصبر على ما يناله في سبيل الله كما صبر المؤمنون على البلايا والمحن، ولا بد من بذل النفوس في سبيل إقامة الحق ونشر دين الله في الأرض، إنقاذًا للناس من أوضار الشرك ورجس الوثنية وضلال الأفكار التي نبتت على أرض الإلحاد والزندقة، وانحراف الفطر عن سنن الله تعالى إلى سنن الجاهلية وتراثها المرذول، وعبادة الشهوات، والأموال ومظاهر الدنيا.
ومع ذلك لا بد من إعداد العناصر السباقة إلى ما يطلب منها في سبيل دين الله تعالى في كل ما يقوي الحق ويظهره، ويعز أهله وينصرهم، ويضعف الباطل وحزبه ويقهره، مثل بث العيون ومعرفة ما لدى العدو من قوة واستعداد، وكذلك محاربة العدو بما يسمونه اليوم بالحرب النفسية، كما فعل نعيم بن مسعود الأشجعي يوم الخندق.
وعلى كل فما أصاب المسلمين من ذلة ومهانة وتسليط الأعداء عليهم؛ كله بسبب عصيانهم وتركهم تعاليم دينهم، وإعراضهم عن خالقهم، وإقبالهم على الدنيا، والتكالب عليها.