الصفحة 18 من 34

بأنواع المشتهيات، فإن هذه مشتركة بين بني آدم والبهائم، بل قد تكون البهائم أكثر حظًا في ذلك من الإنسان، وإنما اللذة الحقيقية والحياة هي اللذة والحياة التي إذا خالطت القلب أنسته الأبناء والنساء والأوطان والأموال، والمساكن والإخوان، ورضي عن ذلك كله وخرج مهاجرًا إلى ربه مستغنيًا بهداه، وعرض نفسه في سبيل ذلك لأنواع المكاره والمشقات، وهو طيب العيش ناعم البال، مستلذًا لما يصيبه في ذلك منشرحًا له صدره.

لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة» قال عمير بن الحمام - وكان بيده تمرات يأكلهن: بخ بخ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم رمى بالتمرات من يده، وأخذ سيفه فأقبل يقاتل وهو يقول:

ركضًاَ إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

وكل زاد عرضة النفاد

غير التقى والبر والرشاد

حتى قتل رضي الله عنه.

والمسلمون اليوم بأشد الحاجة إلى معرفة فضائل الصحابة، وكريم معدنهم، وأثر تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وما كانوا عليه من علو المنزلة، التي نالوا بها ثناء الله تعالى عليهم، ومن المؤسف أن أخبار أولئك الأخيار قد طرأ عليها من التحريف، والبتر، والزيادة، وسوء التأويل والأغراض، من قلوب قد شحنت بالغل على أفضل هذه الأمة، فأنكرت عليهم حتى نعمة الإسلام، وقد أصبح من الفرض على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام على طريقة المحدثين، ووضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت