عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها. فلم يمنعه ما أصابه من الجراح والألم عن متابعة القراءة؛ لأن ما لديه من حلاوة مناجاة الله، وتلاوة كلامه ينسيه الألم، ولذلك كان عيشهم طيبًا وحياتهم سعيدة مع ما هم فيه من الفقر وقلة ذات اليد، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه، فنقبت أقدمنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا، وحدث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه [1] .
ومن نظر في سيرتهم رضي الله عنهم منصفًا علم عظيم قدرهم وكمال حبهم لله ورسوله، وبذلك طاب عيشهم، وكملت هدايتهم، وتمت سعادتهم، فأثنى الله عليهم، ونوه بما أعده لهم من الجزاء العظيم، ونصرهم على أعدائهم، فمن وصل قلبه بالله تعالى في هذه الحياة، بأن اتبع كتابه، فإنه يطمئن قلبه، ويحصل له برد اليقين، ويذوق طعم الإيمان وحلاوته، ويفرح قلبه ويتنعم ويسر بذلك، أعظم من تنعم البدن بأنواع الملذات، ويصير قلبه بالإيمان مستنيرًا به، قويًا مقبلًا على الله متعلقًا به، فينال بذلك غذاءه، وريه، وشفاءه وحياته، ونوره، ولذته، ونعيمه، وهذا أجل أنواع النعيم، وأعظم اللذات، والطيبات، وقد قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] ، فكل مؤمن عامل للصالحات له حظ من هذه الحياة الطيبة بقدر إيمانه وعمله.
وليست الحياة في الحقيقة ما يظن كثير من الناس أنها التنعم بأنواع المأكولات والمشروبات والملابس، والنساء، أو لذة الرئاسة والمال، والعمائر، والمراكب والتفنن
(1) ... البخاري جـ 5 ص 145.