ومع ذلك فإن العبد إذا انقاد لطاعة ربه، ورضي به معبودًا، وقصده بالحب والذل، صارت عبادته غذاء روحه، وقوام حياته، وغلب جانب الروح الإيماني، على جانب الجسم الشهواني، وهذا هو المقصود من الإنسان؛ أن يغلب جانب الروح، فلا يذوق طعم الإيمان وحلاوته إلا بذلك، وإنما يأخذ من حظوظ الجسم ما يكون فيه قوته، وقوته على أعمال العبادة والطاعة، وبذلك يدرك العبد الحياة الحقيقية والسعادة في الدنيا قبل الآخرة، حياة الإيمان بالله والطمأنينة به قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] ، وهذه حياة الإيمان، ونور الهداية، والعلم بالله تعالى وهي حياة السعداء يجدون لها لذة لا تقاربها ملذات الدنيا، كما كان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة» ، والله تعالى يحب أن يعبد بالحب والذل والخضوع له، وقد أمر بذلك وأوجبه على عباده، ووعدهم عليه السعادة والنعيم المقيم، فيجب على العبد أن يحب ما يحبه الله تعالى، وأن ينقاد لأمره قابلًا مستسلمًا راضيًا، وأن يحب ما فيه سعادته وحصوله على النعيم، ثم يترقى من هذا إلى أن تكون عبادة الله تعالى قرة عينه، وغذاء روحه، فتسهل عليه الآلام والأوصاب التي تصيبه في ذلك كما حصل لحارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، لما باتوا قام اثنان من الصحابة يحرسان؛ أنصاري ومهاجري، فقام الأنصاري يصلي، ونام المهاجري، فجاء رجل من الكفار فرأى شخصه، فرماه بسهم فأصابه، فانتزعه من جسمه واستمر في صلاته، ثم رماه بآخر فانتزعه من جسمه واستمر في صلاته، ثم رماه بثالث، عند ذلك ركع وسجد وسلم ثم أيقظ صاحبه، فلامه صاحبه، على عدم إعلامه أول ما رماه، فقال: إني كنت أقرأ في سورة كرهت أن أقطعها، فلما تابع علي الرمي أعلمتك، وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله