واشتدَّ الأمر، حتى تدخل في ذلك، وفي مناقشتي، بعض الأساتذة؛ كالأستاذ"نلِّينو"والأستاذ"جويدي"من المستشرقين، وكنتُ أصارحهما بالسطو، وكانا يعرفان، ولكنهما يداوران، وطال الصراع غير المتكافئ بيني وبين الدكتور"طه"زمانًا، إلى أن جاء اليوم الذي عزمتُ فيه على أن أفارق مصر كلها، لا الجامعة وحدها، غيرَ مبالٍ بإتمام دراستي الجامعية طالبًا للعزلة، حتى أستبين لنفسي وجه الحق في"قضية الشعر الجاهلي"بعد أن صارت عندي قضية متشعبةً كل التشعُّب. [1]
لقد قرَّر"محمود شاكر"إذًا أن يترك الجامعة بعد أن سقطت هيبتُها من نفسه، وبعد أن عجز - لطبيعة فيه - أن يَحتمل هذا الفساد الذي رآه في أساتذته ومعلِّميه، فترك الجامعة غير آسِفٍ عليها وهو في السنة الثانية؛ لأنه لم يعُدْ يثق بها، ولم تفلح المحاولات التي بذلها أساتذته وأهله في إقناعه بالرجوع، وهاجر إلى جدة، وأقام بها مدَّة، حتى استدعاه والده الشيخ فعاد إلى القاهرة، وقد فُتح له من أبواب العلم فتوح، فشرع الشيخ شاكر في قراءة التراث وشرحه، وحرَّر مقالات المجلات الأدبية المتنوعة، وألَّف الشعر، ونقَدَ، وخاض معارك، وكشَف زيوفًا.
ومن هنا - من هذه الصفعة - كانت بداية محمود شاكر العلَم الأشمِّ في تاريخ الأدب المعاصر.
ومن معركة إلى معركة انتقل محمود شاكر يذبُّ العادين عن الإسلام وكتابه ولغته، ومن كنز إلى كنز راح محمود يكشف عن التراث الإسلامي، ومن نجم إلى نجم ظل يَقفز حتى تسنَّم ذُرا المجد الأدبي عن جدارة واقتدار، وفي مساء يوم الخميس 3 ربيع الآخر 1418 هـ - 7 أغسطس 1997 م، فاضت روح العملاق العلامة إلى بارئها، تاركةً مكانه فراغًا كبيرًا لم يُسدَّ وقد مضى على ذلك التاريخ قرابة عشرين سنة. [2]
(1) المتنبي (13 - 17) ، محمود محمد شاكر.
(2) ترجم لمحمود محمد شاكر كتبٌ ليس عددها بالذي يفي بحق عملاق مثله، ومن هذه الكتب التي عنيت بترجمته:
"قصة قلم"للكاتبة الأديبة عايدة الشريف، و"محمود محمد شاكر الرجل والمنهج"عمر حسن القيام، و"محمود محمد شاكر وقضية الشعر الجاهلي"عمر حسن ذياب عمر، و"محمود محمد شاكر الأديب الناقد"إبراهيم محمد كوفحي، و"محمود محمد شاكر شاعرًا"، و"شيخ العروبة وحامل لوائها أبو فهر بين الدرس الأدبي والتحقيق"؛ لمحمود إبراهيم الرضواني، و"هدم الدساكر على مَن بغى على الرافعي وشاكر"وائل حافظ خلف.