خياط أميٌّ هو المفتي!
طفتُ بخيالي في مدينة دمشق العريقة - حفظها الله - أتأمل حلقات العلم في بلاد الشام، فصادفني حائك عامي يُقال له:"محمد إسماعيل"وكان يتردد على مجالس العلم، فإذا هو بعد بضع سنين، يحتكر الفتوى في بلده، وينصرف الناس إليه، مهملين المفتي الرسمي؛ حتى اغتاظ آل العمادي - وهم أهل المفتي الرسمي - وجعلوا يستهزئون بمحمد إسماعيل الحائك، فبينما هو يمر بدارهم يومًا، على أتان له بيضاء، فوجد على الباب أخًا للمفتي، فسلم وردَّ عليه هذا الأخ السلام، ثم قال له ساخرًا: إلى أين يا شيخ؟ أذاهبٌ أنت إلى إسطنبول لتأتي بولاية الإفتاء؟! وضحك وضحك مَن حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: إن شاء الله.
فماذا فعل؟ استمر في طريقه وهو راكب الأتان، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقَّة حتى عاد إلى داره، فودَّع أهله وأعطاهم نفقة، وسافر متجهًا إلى إسطنبول، وما زال يفارق بلدًا ويستقبل بلدًا حتى دخل القسطنطينية، وما هي إلا أيام معدودات حتى عاد الحائك العامي يحمل رتبة الإفتاء، ومعها ألف دينار، جائزة له، في قصة عجيبة طريفة هي من قدر الله عز وجل.
فإلى القصة كاملة؛ كما يرويها العلامة علي الطنطاوي رحمه الله تعالى، [1] يقول:"إن التشجيع يفتح الطريق للعبقريات المخبوءة؛ حتى تظهر وتثمر ثمرها، وتؤتي أُكُلها، وربَّ ولد من أولاد الصناع أو التجار يكون - إذا شُجِّع، وأُخِذَ بيده - عالمًا من أكابر العلماء، أو أديبًا من أعاظم الأدباء، وفي علماء القرن الماضي في الشام مَن ارتقى بالجدِّ والدأب والتشجيع من حرفة الحِياكة إلى منصب الإفتاء، وكرسي التدريس حتى القُبة."
(1) فكر ومباحث (131 - 133) ، للعلامة علي الطنطاوي، وانظر: (علو الهمة) ، فصل التشجيع وأثره في التربية، الدكتور محمد بن إسماعيل المقدم.