استغرق في التحقيق من عمره السنوات ذوات العدد، لكنه - عندنا - شيخ المحقِّقين؛ لأنه شاعر مبدع، فبان إبداعه في كل ما خطته يراعه، وما هو بالقليل!". [1] "
يقول محمود محمد شاكر عن هذه الفترة:
"كان ما كان، ودخلنا الجامعة، بدأ الدكتور"طه"يلقي محاضراته التي عُرفت بكتاب:"في الشعر الجاهلي"، ومحاضرة بعد محاضرة، ومع كل واحدة يرتدُّ إليَّ رجع من هذا الكلام الأعجمي الذي غاص في يمِّ النِّسيان! وثارت نفسي، وعندي الذي عندي من المعرفة بخبيئة هذا الذي يقوله الدكتور"طه"= عندي الذي عندي من هذا الإحساس المتوهِّج بمذاق الشعر الجاهلي، كما وصفته آنفًا، والذي استخرجته بالتذوق، والمقارنة بينه وبين الشعر الأموي والعباسي."
وأخذني ما أخذني من الغيظ، وما هو أكبر وأشنع من الغيظ، ولكني بقيت زمنًا لا أستطيع أن أتكلم، تتابعت المحاضرات، والغيظ يفور بي والأدب - الذي أدَّبَنا به آباؤنا وأساتذتنا - يُمسكني، فكان أحدنا يهاب أن يكلم الأستاذ، والهيبة مُعجزة، وضاقت عليَّ المذاهب، ولكن لم تخْلُ أيامي يومئذ في الجامعة من إثارة بعض ما أجد في نفسي، في خفوت وتردُّد، وعرفتُ فيمَن عرفتُ من زملائنا شابًّا قليل الكلام، هادئ الطِّباع، جمَّ التواضع، وعلى أنه من أترابنا، فقد جاء من الثانوية عارفًا بلغات كثيرة، وكان واسع الاطِّلاع، كثير القراءة، حَسَن الاستماع، جيد الفهم، ولكنه كان طالبًا في قسم الفلسفة، لا في قسم اللغة العربية.
كان يَحضر معنا محاضرات الدكتور، وكان صفْوُه وميلُه وهواه مع الدكتور"طه"، ذلك هو الأستاذ الجليل"محمود محمد الخضيري".
نشأتْ بيني وبينه مودة، فصرتُ أُحدِّثه بما عندي، فكان يدافع بلين ورفْق وفَهم، ولكن حدَّتي وتوهُّجي وقسوتي كانت تجعله أحيانًا يَستمِع ويَصمُت فلا يتكلم.
(1) مقال بقلم أبي همَّام عبداللطيف عبدالحليم، جمهرة مقالات محمود محمد شاكر.