الصفحة 42 من 52

فكانت تلك أولى المفارقات العجيبة في حياته؛ فقد عرفنا أن والده كان كبير علماء الإسكندرية، ثم وكيلًا للجامع الأزهر.

وقد تنقَّل"محمود"عبر مراحل التعليم المختلفة، حتى كانت المرحلة الثانوية فالتحَقَ بالقسم العلمي، وتعلَّق بدراسة الرياضيات والإنجليزي، فلمَّا اجتاز الثانويَّة فضَّل أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية!

وهذه أيضًا مفارقة جديدة في حياة"الطالب محمود شاكر".

وقد تعذَّر دخوله كلية الآداب في البداية؛ لأنه من خرِّيجي القسم العلمي في الثانوية، إلا أنه بوساطة من"طه حسين"لدى"أحمد لطفي السيد"رئيس الجامعة المصرية آنذاك استطاع أن يلتحق بكلية الآداب، وبدأ العام الدراسي بالكلية و"الطالب محمود شاكر"بين صفوف طلابها.

وهناك في مقاعد السنة الأولى من كلية الآداب بالجامعة المصرية حدثت المفارقة الثالثة والكبيرة في حياة الطالب والعالم محمود شاكر، حين صدم في دكتور الجامعة"طه حسين"وهو يَسمعه يُردِّد مقالةَ كفرٍ في القرآن، تلك المقالة هي أن"الشعر الجاهلي منتحَل، وأنه كذب ملفَّق، لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنَّما ابتدعه الرواة في العصر الإسلامي ليُثبِتوا تفوُّق القرآن على كلام العرب"!

وضاعف من شدة هذه الصدمة أنَّ ما سمعه من المحاضر الكبير كان قد سبق له أن اطَّلع عليه بحذافيره في مجلة استشراقية في مقال بها للمستشرق الإنجليزي مرجليوث! [1] ولأن محمود شاكر اطَّلع على المقالة فقد كان سماعه لمُحاضرات الدكتور طه مختلفًا عن بقيَّة الطلاب تمام الاختلاف، ومن ثمَّ جاءت المفارقة أو المحنة أو الصفعة، كما نُسميها في هذه المقالات، ولندعِ الأستاذ يروي لنا بنفسه أحداث هذه المرحلة التي ولد فيها محمود شاكر ولادة جديدة عبر محنة عظيمة قادته إلى المجد، فصار رجلًا"متعدِّد الملكات، تتصالح كلها في كيانه دون تنافُر؛ فهو الشاعر - والشعر أكبر ملكاته عندنا - وهو المحقِّق، والمؤرِّخ والناقد، والمُفكِّر، وكاتب المقال، وربما بَدا للناس أنه محقِّق كل شيء؛ حيث"

(1) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت