دلالات تربوية على سورة الغاشية
هناك أناس على غير ملتنا ولكنهم قد يتخلقون ببعض أخلاق الإسلام كأعمال البر والصدقات وحسن الجوار ومساعدة الآخرين، كما أنهم قد يجتهدون في الصلاة لغير الله تعالى، بل ويزدادون في العبادة إلى درجة الرهبة، والله تعالى ذمهم في ذلك فقال سبحانه (وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ {الحديد/27} ، فينقطعون للعبادة ولا يتزوجون ظنا منهم أنهم بذلك يتقربون إلى الله تعالى، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين لنا شرعنا ونهانا أن نقتدي بهم فقال - صلى الله عليه وسلم -(تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، ولا تكونوا كرهبانية النصارى) [1] .
ولهذا يثور تساؤل عن مصير هؤلاء الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، حيث يتبادر للذهن أليس لهم استحقاق من الأجر أو نصيبا من الفضل مقابل ما بذلوه من عبادة لغير الله تعالى؟ بالرغم من أنهم ضلوا في توجيه طاقاتهم لله تعالى، فهل لهم نصيب من الخير يوم القيامة؟ فجهدهم وعملهم الذي بذلوه قد وصل إلى مرحلة النصب التي قد يدخر العابد الحق لله تعالى جهدا، فلا يصل إلى هذه المرحلة، هنا تجيب سورة الغاشية على هذا التساؤل في أطر أربع، فتتحدث في إطارها الأول عن مصير أولئك الضالين بما يقطع الصلة بين أعمالهم وجهدهم في غير سبيل الله تعالى وما يستحقون من جزاء أخروي يوم القيامة، وتصرح كذلك بمصير أهل الإيمان الذين أعد الله لهم من الفضل الكثير يوم القيامة، ورغم قلة عملهم مقارنة بصحة إيمانهم، فوجوههم ناعمة لسعيها راضية، فالعبرة أولا وقبل كل شيء بصحة الإيمان، لا بكثرة العمل، ثم تلفت الانتباه إلى الفطرة السليمة التي تعرفت على الله الحق من خلال إبداعه في الكون وما خلق، وضربت المثال بالإبل، والسماء، والجبال، والأرض، ثم تختمت برسالة تذكيرية قصيرة تحدد مهمة الدعاة إلى الله تعالى مع قومهم و أنهم منذرين وليسوا مسيطرين، لعل الله تعالى يشاء هداية أحد منهم للإيمان، واستثنت من ذلك من أبى إلا أن يكون مصيره إلى العذاب الأكبر.
(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى ج 7 ص 78 رقم 13839 وصححه الألباني: السلسلة الصحيحة ج 4 ص 385 رقم 1782